الكفاءة في استخدام الطاقة.. الورقة الرابحة في مناقشات أمن الإمدادات وتغير المناخ

إن موضوع الكفاءة في استخدام الطاقة يعود إلى الواجهة من جديد في قمة كانكون لتغير المناخ، حيث كان موضوع كفاءة استخدام الطاقة واحدا من المواضيع الرئيسة التي طرحت في مؤتمر كانكون لتغير المناخ، والوحيد الذي حظيَ على إجماع من قبل المشاركين، كما كان عليه الحال قبل ذلك في قمة كوبنهاجن لتغير المناخ، ذلك أن أساليب تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة هي إحدى أهم الوسائل المعول بها في توفير الطلب المتزايد على الطاقة في المستقبل، وفي الوقت نفسه تسهم في تحقيق أهداف تغير المناخ وأمن الإمدادات. إن النمو الاقتصادي السريع المتوقع في البلدان النامية على المدى البعيد يعطيها دافعا إضافيا قويا لموضوع كفاءة استخدام الطاقة لتتمكن من تلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، مع توقع زيادة نصيب الفرد فيها من الطلب على الطاقة بصورة كبيرة. حيث من المتوقع أن يزداد الطلب العالمي على الطاقة بنحو 40 في المائة بحلول عام 2050 معظمه في البلدان النامية، ومن المتوقع أيضا أن يزداد انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون ليصل إلى 34.5 جيجا طن بحلول عام 2020 و40.2 جيجا طن بحلول عام 2030. التكلفة التقديرية المطلوبة لتلبية الطلب المتوقع على الطاقة حتى عام 2030 ضخمة جدا، حيث تبلغ التكلفة التراكمية إلى عام 2030 نحو 26 تريليون دولار، حسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة.
الاهتمام العالمي بموضوع تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة مستمر في التزايد، حيث استمر هذا الموضوع في احتلال مركز الصدارة على جدول أعمال السياسيين ورجال الأعمال في المحافل السياسية والاقتصادية العالمية. إضافة إلى ذلك استمرت الحكومات والقائمين على قطاع الصناعة في مناقشة موضوع تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة باعتباره مصدرا مهما وحيويا من مصادر الطاقة في السعي لتلبية متطلبات العالم المتزايدة من الطاقة، وفي الوقت نفسه يطرح هذا الموضوع أيضا حلولا فيما يخص تغير المناخ والقلق بشأن أمن إمدادات الطاقة ودعم النمو الاقتصادي العالمي.
حيث إن هناك إجماعا على أن عملية تحسين كفاءة استخدام الطاقة هي الوسيلة الأكثر فعالية من حيث التكلفة والفعالية التي تمكن كل من الدول المتقدمة والنامية من النمو الاقتصادي وتلبية ارتفاع الطلب على الطاقة ومكافحة تغير المناخ. حيث يمكن أن توفر كمية أكبر من الطاقة على المديين القريب والمتوسط والبعيد، وفي الوقت نفسه تسهم في الحد من انبعاث غازات الدفيئة. ذلك أن تحسين كفاءة استخدام الطاقة يعطي فائدة مضافة، حيث إن المستهلكين يستخدمون كميات أقل من الطاقة من دون التضحية بأنماط حياتهم الاعتيادية أو الطبيعية بل حتى في بعض الأحيان يحسنها. إن فرص تحقيق تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة متوافرة في جميع القطاعات المستهلكة للطاقة: الصناعية، البناء، المنزلية والنقل.
في هذا الجانب سلط المجلس العالمي للطاقة WEC الضوء على أوروبا كمثال للمناطق التي شهدت تحسينات كبيرة في كفاءة استخدام الطاقة بين عامي 1990 و2006 في جميع القطاعات، حيث انخفض متوسط استهلاك الطاقة النهائي لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي فيها (وهو مقياس كثيرا ما يستخدم لحساب كفاءة استخدام الطاقة) بنحو 40 في المائة خلال تلك الفترة. في هذا الجانب أيضا أشار مجلس الطاقة العالمي إلى أنه في حال لو تمكنت جميع مناطق العالم من تحقيق أداء الاتحاد الأوروبي نفسه في تحسين كفاءة استخدام الطاقة في تلك الفترة، فكان من ممكن أن توفر ما مجموعه نحو 420 مليون طن نفط مكافئ من الوقود وتجنب انبعاث 1.3 جيجا طن من غاز ثاني أوكسيد الكربون سنويا. إن إمكانية تحسين كفاءة الطاقة إما في توفير الطاقة أو خفض الانبعاث هي معروفة ومثبتة ومتفق عليها بين جميع الأطراف، حكومية كانت أم أفراد أو شركات، حيث إن أكثر من 70 في المائة من دول العالم لها أهداف لتحسين كفاءة استخدام الطاقة، هي بالفعل قد نفذت مجموعة واسعة من التدابير والإجراءات مثل اعتماد أهداف إلزامية، تقديم حوافز، منح ودعم. القطاع الخاص كان ناشطا أيضا خصوصا في الصناعات عالية الاستهلاك للطاقة من خلال تنفيذ أهداف تحسين كفاءة الطاقة وإدراج هذا الموضوع ضمن القرارات التجارية، في حين عمدت جهات صناعية أخرى على تطوير نماذج وأعمال مبتكرة واغتنام الفرص التجارية في هذا المجال.
هذا وقد أسهمت المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والأوساط الأكاديمية في تحديد كمية الطاقة التي سيتم توفيرها والانبعاث التي يمكن تخفيضها من جراء التوصية باتباع مجموعة من التدابير والإجراءات، في هذا الجانب تشير بعض الدراسات إلى إمكانية خفض انبعاث غازات الدفيئة بنحو 8.2 جيجا طن في كل عام بحلول عام 2030 عن طريق تحسين كفاءة استخدام الطاقة، هذه الكمية تمثل نحو نصف الكمية المطلوب تخفيضها بحلول عام 2030.
لكن، على الرغم من الإقرار والإجماع بإمكانية وفعالية موضوع تحسين كفاءة الطاقة في توفير جزء مهم من احتياجات الطاقة المستقبلية وفي الوقت نفسه يسهم في حل موضوع تغير المناخ، إلا أنه لا تزال هناك فجوة بين السياسة والإجراءات المتبعة والتنفيذ، ما يعزز الاعتقاد بأن الحلول التي يوفرها هذا الموضوع ليست سهلة كما هو متوقع، بل تحتاج إلى إرادة وتخطيط ووضع سياسات قصيرة وطويلة الأجل وتوفير الأدوات والوسائل اللازمة للتنفيذ. حيث تشير بعض الدراسات إلى أن السياسات الموضوعة لم يتم تنفيذها دائما بصورة كاملة أو صحيحة، في هذا الجانب تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن التوصيات والإجراءات التي حددتها لم يتم تنفيذها بالكامل وإنما فقط 57 في المائة منها تم تنفيذه بالكامل. حيث لا تزال المنظمات والوكالات تعمل على مستوى المشروع مقابل المستوى البرنامجي، حيث إن الفشل المؤسسي والسوقي يمنع القطاع الخاص من تنفيذ المشاريع والاستثمار في برامج تحسين كفاءة الطاقة على نطاق واسع. إضافة إلى ذلك المبادرات في مجال تحسين كفاءة الطاقة ليست سائدة حتى الآن في جميع القطاعات خصوصا في البلدان النامية، كما أن تنفيذ برامج التطوير والاستثمار لمشروعات تحسين الكفاءة على نطاق واسع لا تزال صعبة. على الرغم من أن القطاعين العام والخاص ينفذون خطوات مستقلة مختلفة في مجال تحسين الكفاءة، إلا أن كلا القطاعين لا ينسقان دائما في برامجهما على نحو فاعل.
حيث إن الشركات والأفراد يميلون عادة إلى الاستثمار في المشاريع والمنتجات ذات المردود المباشر، الحكومات تميل عادة لدعم البرامج التي تولد فرص عمل وتطور تقنيات يمكن الاستفادة منها محليا أو يمكن تصديرها. في حين كفاءة الطاقة لا تلبي بالضرورة هذه المعايير، على الأقل ليس بصورة مباشرة. كفاءة استخدام الطاقة هو عملية أو طريقة تفكير أو نهج يمكن أن يؤدي إلى تقنيات جديدة، توفير فرص عمل جديدة، إيرادات إضافية بل حتى أسواق جديدة للتصدير. لكن هذه ليست محفزات فورية ومباشرة للشركات أو حتى للحكومات، وهذا قد يمثل تحديا لفهم أكبر لإمكانات الكفاءة في استخدام الطاقة.
من أجل تحقيق تقدم في موضوع تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة على نطاق واسع وفاعل؛ المطلوب تطوير أنظمة شاملة لأنشطة تحسين كفاءة استخدام الطاقة ومحاولة إيجاد منظومة تجمع الجهات الرئيسة في القطاع العام والقطاع الخاص والمختصين في هذا المجال من مختلف القطاعات للعمل على تصميم مشاريع مشتركة قابلة للتنفيذ والتطوير ووضع برامج وسياسات لتطبيقها، كذلك وضع مقاييس ومعايير مشتركة.
فيما يخص المنظومة التي تجمع القطاعين العام والخاص المذكورة أعلاه، المطلوب أيضا وضع مجموعة من خطط العمل بين مختلف القطاعات الصناعية الرئيسة في القطاع الخاص، كل خطة من هذه الخطط يجب أن تركز على تطوير مجموعة من الإجراءات المحددة خلال فترة معينة، ثم مراجعة تقدم العمل عليها. الغرض من هذه العملية هو إحداث طفرة في نتائج تحسين كفاءة استخدام الطاقة في القطاع الخاص. من القطاعات المناسبة للبدء بتنفيذ هذه الخطورة هي القطاعات ذات الاستهلاك العالي للطاقة. في هذا الجانب أيضا مطلوب معرفة طبيعة وتحديات الاستثمار في مشاريع كفاءة الطاقة، وسلوك المستهلك والابتكار التكنولوجي، حيث تتيح جميعها للشركات وصناع القرار فرصة لإنشاء بنية تحتية مميزة لهذا الغرض لا غنى عنها لتحقيق أهداف تحسين كفاءة استخدام الطاقة.
أخيرا وليس آخرا المطلوب دعم وتوجيه الجهود نحو عالم على قدر أكبر من الكفاءة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الجديدة التي لم تكن متاحة حتى قبل عقد من الزمن، حيث إن هذا القطاع سيساعد أيضا على توفير الأساس القوي والرصين لزيادة الكفاءة في المستقبل وتطوير بنية تحتية مميزة في تحسين كفاءة استخدام الطاقة.

تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي