هَرِمٌ في عز طفولته

«عمالة الأطفال يجب ألا تتحول إلى منظومة أمان اقتصادي واجتماعي»
كايلاش ساتيارسي
المنسق العام للحركة العالمية المناهضة لتشغيل الأطفال

إذا كانت البطالة تستحق توصيف أزمة، فإن عمالة الأطفال لا تستحق توصيفاً أقل من مصيبة. وإذا كان الفقر كارثة مُعيبة للمجتمع، فإن القبول بتشغيل الأطفال (كحل متواضع للفقر)، هو بمنزلة كارثة مشينة. لا مجال هنا للتوصيفات المعتدلة أو ''التجميلية''، ولا مكان للمبررات مهما كانت قوية. ولا مساحة هنا أيضاً لذلك السؤال المريع: إذا كانت عمالة الأطفال تقلل شيئاً من آلام الفقر .. فهل تؤيدها؟! وبطرح آخر، إذا كان الطفل يستطيع أن يؤمن من عمله خبزاً لأسرته .. فهل تقف في وجهه؟! وبصيغة أكثر مباشرة، إذا كانت الأسرة تموت جوعاً.. هل تمنع طفلاً فيها من العمل؟! أقول لا مساحة لهذا السؤال، لأن الفقر هو بالضرورة عار ارتكبه المجتمع، ومعه الأنظمة القائدة له، ولأن تشغيل الطفل هو بالتأكيد جرم مشين ارتكبه الجميع، إلا الطفل نفسه. وحول هذه النقطة بالتحديد، أتذكر ما قالته طفلة من بنجلادش، اسمها سلطانا، في الـ 18 من عمرها تعمل في مصنع للملابس في بلادها. قالت: ''لماذا ينبغي علينا دفع فاتورة الفقر؟ نحن لم نصنع الفقر، البالغون هم الذين صنعوه''! بعد سلطانا بسنوات، قال أوم باركاش الحائز جائزة نوبل للسلام: ''من حقنا أن يصغي إلينا الكبار ــ قصد هنا البالغون - وإذا لم يسمعوا إلينا، سنعمل بقوة وثبات وجهد لنجعلهم يصغون''.
لا بد من الإشارة، إلى أن عمالة الأطفال سرطان يصيب كل المجتمعات المتقدمة وغير المتقدمة، وينال من الدول النامية وتلك التي نمت واستقرت نمواً. وكما للسرطان مستويات، بين السطحي والقاتل، كذلك عمالة الأطفال، هي سطحية في المجتمعات المتقدمة وقاتلة في غيرها. وبما أنه لا تتوافر إحصائيات دقيقة عن حجم عمالة الأطفال في العالم، باعتبارها عمالة غير شرعية، وحراكها يجري تحت الأرض، إلا أن تقارير المنظمات الدولية المستقلة تتفق على أن عدد الأطفال المنخرطين في أسواق العمل على مستوى العالم يقدر بنحو 300 مليون طفل وربما أكثر، من بينهم أكثر من 90 في المائة في قارتي آسيا وإفريقيا! مهلاً .. مهلاً، من بين هؤلاء هناك 100 مليون طفل مشردين في الشوارع، ومليونان يتعرضون للاستغلال الجنسي! أيضاً .. الغالبية الساحقة من المشردين الأطفال، ''يسوحون'' في القارتين الإفريقية والآسيوية، اللتين تضمنان كل الدول العربية مجتمعة، مع التذكير ــ لمن نسي ــ أن قوانين دول العالم كلها، تمنع تشغيل الأطفال تحت أي اسم، وبالطبع تتضمن الكثير من العقوبات على من يخالفها. لكن لا القوانين ولا معايير المجتمعات أسهمت في الحد من هذه الجريمة المتواصلة والمستدامة (التي أصبحت اقتصاداً في حد ذاتها)، بل هناك من يبرر الجريمة على اعتبارها تسهم في تخفيف حالة الفقر المدقع! لم يسمع هؤلاء ما قاله زعيم التبييت المنفي دالاي لاما (لاما تعني بلغة التبييت ''محيط الحكمة''): ''إن مشكلات هذا العالم بما في ذلك تشغيل الأطفال والفساد، هي أعراض لأوبئة روحية، وافتقار إلى الرحمة''.
للعرب حصة مريعة من ''الأطفال الهَرمون''! أو ''الأطفال الكبار قسراً''! أو ''الأطفال البالغون بقرار''! تضاف إلى حصصهم الهائلة من البطالة والأمية، وإلى تخلفهم عن بعض بديهيات الحياة نفسها. فقد أقرت سورية رسميا عن طريق وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل بالعجز عن مواجهة عمالة الأطفال. وأقرت أيضاً بأن نسبة الأطفال العاملين الذين تراوح أعمارهم بين 5 و14 سنة، تشكل 4 في المائة من النسبة الكلية لعمل الأطفال! وحسب المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية، فإن سورية تعج بـ 650 ألف طفل، يعمل أغلبيتهم في القطاع الزراعي والمؤسسات العائلية! وفي لبنان، يقدر عدد ''القوى'' العاملة من الأطفال بأكثر من 45 ألف طفل، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين نسمة. ولا توجد تقديرات عن أعداد الأطفال الفلسطينيين العاملين الذين يعيشون في هذا البلد. ولا شك في أنها ستكون هائلة. وبالانتقال إلى الأردن، تؤكد دائرة الإحصاءات العامة ــ حسب إحصاء عام 2007 ــ أن عدد الأطفال العاملين في قطاعات الزراعة والأعمال المنزلية وغيرها يبلغ 33 ألف طفل، أي بنسبة 2 في المائة تقريباً من عدد سكان البلاد! وفي تقرير رسمي يمني، وصل متوسط معدل نمو عمالة الأطفال في اليمن إلى 3 في المائة سنوياً من إجمالي عدد الأطفال العاملين ما دون سن الـ 12 عاماً! وأن الإناث يمثلن نسبة 51 في المائة من إجمالي الأطفال العاملين، المقدر تعدادهم بـ 3.2 مليون طفل وطفلة.
وأتوجه إلى العرب في إفريقيا، حيث يصل عدد الأطفال العاملين في مصر إلى مليونين و786 ألفا. وطبقاً لوزارة القوى العاملة المصرية، فإن هؤلاء يعملون في ظروف صعبة تعرض حياتهم للمخاطر الدائمة، كما أنهم يعملون فترات طويلة تتجاوز أوقات العمل للكبار. لا مجال هنا للشكوى، لأن العمل غير الشرعي ليست له ضمانات عمالية شرعية. وأنقل عن المندوبة السامية للتخطيط في المغرب بأن 16.6 في المائة من ''الأطفال الكبار قسراً'' في المغرب، يجمعون بين العمل والدراسة، وأن 56.1 في المائة متسربون من التعليم، بينما لم يسبق لـ 27.3 في المائة منهم الذهاب للدراسة! وفي الجزائر أظهرت دراسة مسحية أعدها أكاديميون جزائريون، أن عدد الأطفال العاملين يصل إلى 1.8 مليون طفل، من بينهم 1.3 مليون تراوح أعمارهم بين 6 و13 عاماً، ومنهم أيضاً 56 في المائة من الإناث. في حين أحصت الدراسة 28 في المائة من الأطفال العاملين الذين لا يتعدى سنهم الـ 15 عاماً! وتقدر المؤسسات الدولية والمحلية العربية عدد الأطفال العرب العاملين بأكثر من 13 مليون طفل! ثلاثة ملايين منهم تقريباً في بلد كمصر!
والمصيبة أن هذه الإحصائيات أو التقديرات تعود في غالبيتها إلى ما قبل انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، التي زادت ــ كما هو معروف ــ من المآسي والكوارث الاقتصادية والاجتماعية، في كل بلدان العالم، خصوصاً الدول الفقيرة أصلاً. وقد استغل ''المشغِلون المُشينون'' تلك الأزمة الحاضرة دائماً، باتباع أحقر أنواع التشغيل. فقد اكتشفت حكومات في دول غربية أن بعض المؤسسات والشركات, التي تخلصت من نسبة من موظفيها وعمالها، قامت بإحلال أطفال في أماكنهم, فالطفل العامل يتقاضى أقل ولا يظهر في ملفاتها ضمن لوائح العاملين وبالتالي لا حقوق له ولا تأمينات أو ضمانات. فإذا كان هذا التشغيل القبيح يجري في دول متقدمة، تحكم حراكها الاقتصادي قوانين متماسكة ورقابة مشددة تكفل حقوق العاملين، لنا أن نتخيل الأمر في الدول الأخرى! ولنا أن نشاهد ــ قسراً ــ طفلاً يحمل معولاً بدلا من حقيبة المدرسة! أمام هذا المشهد، لا مجال هنا للنيات الحسنة، والتمنيات الطيبة والإدانات الإعلامية والتصريحات الثورية. كما أنه لا مكان هنا أيضاً لدموع صادقة لا تجلب لذارفها إلا احمرار عينيه ولا تقدم للضحية شيئاً.
في مقال سابق لي كتبت عن مصيبة عمالة الأطفال ووصفتها بأنها قضية الأمس .. يحضنها اليوم .. ليقذفها إلى الغد. ومع استفحال المصيبة، خصوصاً على الساحة العربية، أقول: إنها مصيبة ما بعد الغد أيضاً. إنها تغير في ''الجينات'' البشرية، عن طريق تحويل اليافع إلى هَرِم في عز طفولته!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي