رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإسكان الميسر والإسكان الاقتصادي بين الحقيقة والوهم

يكثر أحيانا استخدام عبارتي الإسكان الميسر والإسكان المنخفض التكاليف. وقد يفهم البعض أن العبارتين تعنيان شيئا واحدا. ومن ثم فالأمر في حاجة إلى توضيح من وجهة اقتصادية، أما من وجهة أخرى كهندسية فإنها خارج اختصاص ومعرفة الكاتب.
ينبغي أن تستعمل عبارة الإسكان الميسر لوصف الوحدات السكنية التي تحقق حدا أدنى من المعايير السكنية، التي تكون تكلفتها في متناول أو استطاعة الناس من ذوي مستويات دخلية محددة.
ويفترض أن تضع جهات حكومية مرجعية، مثلا مجالس المدن والبلديات وهيئات الإسكان، تلك الحدود الدنيا من معايير السكن، مراعية اعتبارات عديدة كالموارد المتاحة في الاقتصاد والموقع الجغرافي والمقدرة المالية للعائلة ونوعية الاحتياجات. من المعايير أن يكون نصيب الفرد من غرف النوم 0.4 غرفة لكل فرد، وألا يزيد نصيب الفرد من إجمالي مساحة المسكن على 50 مترا مربعا.
وعبارة إسكان ميسر طبقت، في الأصل، على أصحاب الدخول التي تقل عن ذوي الدخول المنخفضة، إلا أن ارتفاع تكاليف السكن وتزايد أعباء الحياة جعلا الفكرة من حيث هي تعمم للتطبيق على بعض فئات الدخل المتوسط أيضا، وتصبح القضية حينئذ نسبية، بحيث تعني الإسكان المستوفي الحد الأدنى من المعايير، والمقدور عليه سواء استئجارا أو تملكا من قبل غالبية أو عامة فئات السكان، كل فئة بحسب ظروفها المادية وغير المادية على المدى البعيد، ومن ثم فهي ظروف تتأثر بأوضاع الاقتصاد المتوقعة في الأجل الطويل.
طبعا هناك فئة أسوأ حالا ماديا من ذوي الدخل المنخفض، وهي الفئة المعدومة الدخل، ويمكن أن يلحق بها ذوو الدخل المنخفض جدا إذا كان الدخل غير مستقر. هذه الفئة غير قادرة على تحمل أعباء سداد أقساط شهرية، ولو كانت مئات الريالات شهريا، سواء كان التمويل قد أُعطي بغرض تحقيق ربح أو لا، ومن ثم فهذه الفئات ليست معنية بعبارة الإسكان الميسر.
التقسيمات الداخلية تضعها سلطة أو جهة مرجعية، وينبغي أن تكون موضع ثقة عموم الناس. ويخضع تحديد أو تقرير هذه الفئات إلى اعتبارات كثيرة، مثل مكان السكن من الناحية الجغرافية، وعدد سكان العائلة، وأحوال الاقتصاد وتوجهات التوظيف والعمل على المدى البعيد.
عبارة الإسكان الميسر، بحد ذاتها لا تنحصر في مسألة تملك السكن، بل تعني الاثنين: القدرة على التملك أو القدرة على الاستئجار. ولكن العبارة تفهم عادة بالمعنى الأول، وهو موضع التركيز هنا.
أكثر المعايير قبولا في دول العالم في التعرف على القدرة السكنية (الميسرة) تستند إلى أن تكلفة السكن ينبغي ألا تتجاوز ثلث دخل العائلة. وغالبا ما تشمل هذه التكلفة تكاليف المرافق العامة خاصة الكهرباء والتدفئة و/أو التبريد والماء. وهذا يعني أن تكلفة السكن وحده دون المرافق ينبغي أن تقل عن الثلث بدرجات. وإذا زادت تكلفة السكن عن 35 في المائة من دخل العائلة، فإنه في غالب الدول يبدأ في الدخول إلى فئة السكن غير الميسر، الذي تشكل تكلفته عبئا ثقيلا على العائلة.
وخلاف المسكن الميسر هناك المسكن الاقتصادي أو المنخفض التكاليف نتيجة بنائه بطريقة بناء غير تقليدية، يقول أو يدعي أصحابها بأنها منخفضة التكاليف منخفضة انخفاضا ملموسا مقارنة بالطرق التقليدية.
نقرأ بين حين وآخر في إحدى الوسائل الإعلامية عن آراء تدور حول طرق وأساليب غير تقليدية في البناء، تخفض تكلفة المساكن كثيرا، ربما إلى نصف السائد في السوق، كما قرأت في وسائل إعلامية لبعض المعماريين خاصة آراء تخفف من المتطلبات الإنشائية وفق أساليب البناء التقليدية والسائدة لدى الإنشائيين تخفيضا يصل إلى 50 في المائة. ويطلق أحيانا على كلا النوعين مسمى المساكن الاقتصادية.
مثل تلك الطروحات بطبيعتها تلقى هوى لدى الكثيرين، كيف لا وكثير من المواطنين لا تتوافر لديه القدرة المادية على بناء مسكن تكلفته تصل إلى مئات الآلاف من الريالات، كيف لا وكلنا يرغب في الحصول على طيبات الحياة الدنيا بأرخص الأسعار، وكلنا يهوى الحصول على الخدمات بأقل تكلفة ممكنة وبأسرع وقت ـــ إذا نظرنا إلى التكلفة الملموسة، وإلا فإن للوقت نفسه ثمنا.
ولكن هناك عبارة مشهورة في كتب الاقتصاد ''لا غداء مجاني''.
No free lunch
والمعنى أن لكل شيء ثمنا ـــ ربما باستثناء استنشاق الهواء الطلق ـــ، أي أنه لا شيء تقريبا مجاني، وإن بدا للبعض أنه مجاني فالحقيقة أن هناك من يدفع الثمن، ومن ثم لا معنى لأن يقال خفض تكلفة بدون توضيح وتفصيل بَيِّنٍ، وبشفافية كيف وقع الخفض.
حسابات ومتطلبات البناء بالطرق التقليدية، بغض النظر عن مستوى الجودة، مقررة معروفة لدى المتخصصين، وليست (حسب علمي) مجرد اجتهادات وأفكار تحت التطوير.
ولذا من حقنا أن نسأل عن كيفية وقوع الخفض، طالما أن الأعمال تصمم وتنفذ سليمة ووفق إشراف هندسي مؤهل.
إن وقع خفض بَيِّنٌ، فإنه ـــ كما يبدو لي ـــ يفترض أن ينشأ بسبب:
ــــ اتباع طريقة مبتكرة.
ـــ أو اتباع طريقة غير سائدة.
ـــ أو تقليل عامل الأمان، بناء على قناعة.
مَنْ عنده شيء من هذا فعليه أن يعرض أبحاثا أو دراسات أمام ذوي الاختصاص الهندسي في مؤتمر أو تجمع علمي أو ينشره في مجلة علمية ونحو ذلك. وعليه إثبات أو تدعيم ما توصل إليه، وذكر محاسنه وعيوبه، ويجب أن يحظى بالقبول. وينبغي على هيئة الإسكان (وغيرها من دوائر الحكومة التي يعنيها الأمر) التحري عن موثوقية المنهجية، ودعمه بقوة في حال الاطمئنان إلى موثوقيته. كما على هيئة الإسكان دعم الأبحاث والتطوير الهادف إلى خفض التكلفة.
وبالله التوفيق،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي