رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


وزير.. غير بيروقراطي!

هكذا يمكن وصف وزير الزراعة الدكتور فهد بالغنيم حين أوضح في مؤتمر صحافي على هامش ''اللقاء الزراعي الثالث'' في جدة الأسبوع الماضي أن ''المملكة غير مؤهلة من ناحية مواردها المائية أن تغطي جميع احتياجاتها الغذائية من الإنتاج المحلي ويجب علينا الاعتماد على الاستيراد من الخارج''. وهذا تصريح جريء وصادق وغير معتاد واستثنائي. إنه خروج عن الخطاب البيروقراطي المعتاد، وهو في الحقيقة يسجل تحولاً جديداً في نمط التفكير والأسلوب الإداري للأجهزة الحكومية بتقديم المصالح الوطنية العليا على مصلحة القطاع أو الجهاز الإداري. تصريح الوزير ينم عن الموضوعية في الطرح والتفكير الجاد والمكاشفة والشفافية والشجاعة والواقعية في مواجهة التحديات الوطنية والحرص على تأدية أمانة الوظيفة العامة بمعاييرها المهنية ومقاصدها الحقيقية. لم يرغب في التلميع الإعلامي وتحسين الصورة وتحقيق المجد الشخصي وتبعا لم يسع إلى قول نصف الحقيقة وتقديم الجانب المضيء الجذاب لقطاع الزراعة والاستبسال في جلب موارد بشرية ومخصصات مالية للوزارة من أجل الانتفاخ البيروقراطي. كان بإمكان وزير الزراعة وهو يتربع على قمة الهرم الإداري لوزارته أن يلزم الصمت وأن يخفي معضلة الموازنة بين الأمن الغذائي والأمن المائي, وهي قضية وطنية لا شك حساسة وشائكة, وهي في الوقت ذاته تمس كينونة الوزارة ومصالحها البيروقراطية, وقد يؤدي إلى تحجيم دورها في الاقتصاد الوطني، أو ربما فات عليه ابتداء من غير ملامة الانتباه إلى قضية شح المياه في ظل اهتماماته ومسؤولياته بقطاع الزراعة. كثير من القطاعات الحكومية ــ مع الأسف الشديد ــ لا تقوى على الانفلات من سيطرة مصالحها البيروقراطية الضيقة لتختزل جهودها واهتماماتها في الاستحواذ على الصلاحيات والمخصصات المالية وتبني مشاريع ضخمة تكون براقة في حينها إلا أن الزمن يكشف أن سلبياتها تفوق بكثير إيجابياتها، وأنها في واقع الحال هدر للمال العام وتعطيل لجهود التنمية الوطنية وقصور عن تلبية احتياجات وتطلعات المجتمع. والسبب وراء هذا النهج الإداري الحكومي هو غياب استراتيجية وطنية طويلة المدى للأربعين أو الخمسين سنة المقبلة تكون بمنزلة البوصلة التي تحدد الاتجاه لجميع القطاعات لتتوحد وتتضافر الجهود نحو تحقيق أهداف وطنية واضحة المعالم. غياب هذه الاستراتيجية الوطنية يجعل الأجهزة الحكومية تعمل بانفراد وبمعزل عن بعضها البعض لتعيش داخل شرنقة من الإجراءات والعمل الروتيني تمنع عنها رؤية الأشياء على حقيقتها. إنه التحوصل والانكفاء على الداخل بنظرة قاصرة عن استيعاب المصالح الوطنية الكبرى، ليتم التعامل مع المشكلات والقضايا العامة على أساس قطاعي مجزأ ومتشرذم دون محاولة النظر إلى الأمور بنظرة شمولية جماعية. هذه الموالاة البيروقراطية ــ إن صح التعبير ـ تكون على حساب تحقيق الأهداف الاستراتيجية للتنمية الوطنية وتعرقل المسيرة نحو تجسير الهوة بين الوضع الراهن للتنمية وطموحات ولاة الأمر وتطلعات العموم في أن يرتقي بلدنا إلى مصاف العالم الأول. لا يكفي أن يكون هناك إنفاق حكومي سخي ونوايا حسنة، الأهم أن تكون هناك نظرة مشتركة وتناغم بين المشاريع العامة من أجل تحقيق المصالح العليا للوطن لا غير.
ولو تأملنا مرة أخرى تصريح وزير الزراعة من منظور واقع الإدارة العامة وكحالة متميزة يمكن تفسيره وفهمه على أنه خطاب ينأى عن ثقافة التنافس البيروقراطي ويبتعد عن سياسة الاستحواذ ويتجنب الدخول في صراعات ونقاشات جدلية مع الجهات الحكومية الأخرى، ويفضل المصارحة والعمل الجماعي مع جميع الأطراف بما يخدم مصالح المجتمع على المدى الطويل. إن من اللافت للنظر والإعجاب, بل من المدهش أن يكون الوزير بتصريحه الصحافي مسانداً وداعماً ومؤيداً لسياسات وزارة المياه والكهرباء المنافس الأول إن لم تكن الخصم اللدود لوزارة الزراعة على الأقل تقدير من وجهة نظر بيروقراطية صرفة. فقد أشار إلى ''أن الدولة اتخذت قرارات كبيرة للحد من استنزاف المياه في القطاع الزراعي ومنها مبادرة الملك عبد الله للاستثمار الزراعي في الخارج''. لم يكابر ويعاند الواقع ولم يقل بما قال به الأوائل من أن هناك نهرا جاريا عظيما تحت الأراضي السعودية! بل أكد أن ''الموارد المائية غير كافية لإنتاج جميع الاحتياجات الغذائية, خاصة المحاصيل المستهلكة لكميات كبيرة من المياه مثل القمح والأعلاف''. لم تكن نظرته قاصرة على تلبية الاحتياجات الراهنة, بل لديه حرص شديد على تأمين مستقبل الأجيال القادمة وديمومة الأمن الغذائي، وهي نظرة قلما يتبعها كثير من البيروقراطيين الذي يتمثلون قول الشاعر: إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر!
الأمن الغذائي ركيزة أساسية تتعلق بأمننا القومي وقوتنا ومنعتنا, ومع هذا لا بد من النظر إليه بواقعية وتحديد ما نستطيعه وما لا نستطيعه والتعرف على مكامن القوة والضعف وتحديد التحديات والفرص وإدراك المتغيرات السكانية والحضرية والتقنية وتغير نمط الاستهلاك والبحث عن حلول إبداعية والتفكير خارج الصندوق، وهذا يجمله حديث الوزير عندما قال: ''بواقعية.. لا نتوقع أن المملكة تستطيع بنموها السكاني والمستوى المعيشي تغطية جميع الاحتياجات الغذائية''. لكن عاد مرة أخرى ليؤكد أن هذا لا يعني على الإطلاق الوقوف مكتوفي الأيدي والانسحاب من مواجهة, هذا التحدي الكبير بل ضرورة تحمل المسؤولية بالبحث عن بدائل وأساليب جديدة تحقق الكفاءة والفاعلية في الإنتاج الزراعي للحفاظ على الموارد المائية، فقد أشار ''لكننا نسعى إلى إنتاج أكبر كمية ممكنة من الإنتاج المحلي بحيث نحقق أعلى نسبة للاكتفاء الذاتي''. هذا النوع من الطرح في تناول القضايا الوطنية هو السبيل الوحيد في تحقيق نهج الإصلاح الذي يطمح إليه ولاة الأمر, ليس إصلاحا شكليا ولكن إصلاح أصيل يتناول القضايا من جذورها بغض النظر عن حساسيتها ليتيح الفرصة لمناقشة ما لم يكن ليناقش وجعله قابلاً للنقاش!
تعليقي على تصريح الوزير يأتي من باب المتخصص في مجال الإدارة العامة والنظرة المحايدة والموضوعية في فهم وتحليل أسلوبه القيادي كنموذج يقترب من المثالية المنشودة في إدارة الشأن العام. فالمعرفة الإدارية تصنعها مثل هذه التجارب والتوجهات والأطروحات. كما أن الحديث هنا لإبراز الإيجابيات والإشادة بالتفكير الإداري الصحيح حتى إن ظن البعض ممن يتمتعون بجلد الذات والتركيز على العيوب والتشهير بالقصور واختزال الموضوعية بسرد السلبيات, أنه من باب المجاملة, وهو ما لا يصح، فمصداقية القول تنبع من أنه لا تربطني مصلحة بوزارة الزراعة. وإذا كان كذلك يكون من الأجدر أن نقول للوزير أحسنت، فأنت وزير لم تقيدك البيروقراطية!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي