الانفتاح العالمي على المالية الإسلامية .. هل هو مؤشر سلبي؟
خلال العقد الماضي، ومع المتغيرات المتسارعة في الاقتصاد العالمي بعد الأزمة المالية العالمية، برز الاهتمام بالمالية الإسلامية على المستوى العالمي من خلال تحقيق نجاحات بتوالي النمو السنوي لأصولها، وتجاوزها الأزمة العالمية بأقل الخسائر؛ ما أعطى مؤشرا على متانة هذا القطاع ونموه، وأنه ينتظره - بإذن الله - مستقبل أفضل، رغم أنه قطاع ناشئ ولا يزال يحتاج إلى مزيد من التطوير والاهتمام.
من القضايا التي برزت فيما يتعلق بالنقاش حول المالية الإسلامية وانفتاح دول العالم اليوم عليها، مسألة أن هذا الانفتاح بسبب رغبة دول كثيرة في العالم الاستفادة من أموال الدول الإسلامية، التي تتوجه بشكل كبير إلى الاستثمار في المالية الإسلامية، وبالتالي كانت المسألة في الأساس لم تنشأ عن قناعة بنجاح تجربة المالية الإسلامية ومتانة هذا القطاع، بل لأن الغرب والشرق اليوم في حاجة إلى سيولة بعد الأزمة المالية العالمية، وبالتالي فإن هذا هو السبب الرئيس الذي دعا تلك الدول إلى التنازل والقبول بتوفير البيئة الاستثمارية، لإنشاء المؤسسات المالية الإسلامية في تلك الدول.
والحقيقة أن هذه من المسائل التي دائما ما تتردد في كثير من الملتقيات المتخصصة وبعض الأطروحات لمجموعة من المتخصصين في هذا المجال، وهي أن مسألة انتقال الاستثمارات الإسلامية أو رجال الأعمال والشركات من البلدان الإسلامية إلى الدول الغربية، هو أحد أسباب إعاقة التنمية في هذه البلدان، حيث إن رأس المال له دور رئيس في تحقيق التنمية والتطور وتوفير فرص العمل، وعلاج مجموعة من المشكلات الاقتصادية للعالم الإسلامي، إضافة إلى التقدم العلمي والتقني والصناعي في البلدان الإسلامية، بدلا من استثمار هذه الأموال في الدول الغربية، بحيث تكون فوائد وعوائد هذه الأموال لتلك الدول.
الحقيقة أن هناك أمورا مهمة لا بد من أخذها في الاعتبار عند النظر إلى مثل هذه القضايا، وذلك أن المؤسسات المالية الإسلامية هي في واقعها مؤسسات تجارية تسعى بشكل رئيس إلى الربح، حيث إنها في كثير من الأحوال إما ملك لمستثمرين أو مساهمين دخلوا إلى هذا النوع من التجارة بحثا عن الربح، واكتسبت اسم إسلامية بغرض تمييزها عن نماذج أخرى من المؤسسات المالية التي تمارس بعض المعاملات المحرمة التي لا تلتزم في تنظيمها المعايير الشرعية. ولذلك اعتقاد أو الظن بأن هذه المؤسسات مؤسسات خيرية أو اجتماعية أو حتى تنموية يعتبر سوء فهم لطبيعة هذه المؤسسات، وبالتالي سيكون تقييمها ونقدها من خلال العناصر السابقة غير دقيق، إلا إذا ما نظرنا إلى دعمها الجوانب الاجتماعية والخيرية والتنموية كأثر غير مباشر أو أولوية تالية فإن ذلك من الممكن أن يكون صحيحا، خصوصا أن كثيرا من الذين يستثمرون في هذا القطاع يبحثون بشكل فعلي عن الربح الجائز شرعا.
إن مثل هذه المؤسسات تبحث فعليا عن الفرص للنجاح والنمو والربح والاستقرار الاستثماري والبيئة المحفزة للاستثمار واستيعاب رؤوس الأموال، والاستثمار بالتالي في تلك الدول ما هو إلا عبارة عن نوع من المصالح المشتركة؛ لذلك تجد أن استثمارات المؤسسات المالية الإسلامية في دول الخليج جيدة، خصوصا مع وجود البيئة الاستثمارية المحفزة.
من القضايا المهمة، أن الكثير من الدول الغربية والشرقية لديها جالية مسلمة لا يستهان بها، وهذه الجالية لا شك أن لها احتياجات تمويلية ورغبة في الاستثمار بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
من الأمور المهمة أيضا أن العالم اليوم أصبح مثل القرية الواحدة، ولتقديم خدمات متكاملة لا بد أن يكون لهذه المؤسسات تواصل وانتشار حول العالم، وهذا مؤشر نجاح، كما أنها تضخ استثمارات وأموالا حول العالم، فهي في الوقت نفسه تستقطب استثمارات من هذه الدول إلى مشاريع جزء منها قد ينتهي إلى تدفقات في العالم الإسلامي.
وبناءً على ما سبق، فإن انتشار المؤسسات المالية الإسلامية حول العالم لا يمثل قلقا كبيرا في حد ذاته، خصوصا إذا ما وفرت تلك الدول التشريعات المناسبة لعمل المؤسسات المالية الإسلامية، وأعطتها فرصا متساوية مع المؤسسات الأخرى المنافسة. لكن يبقى أن هناك أمرا مهما، وهو أنه لا بد على المؤسسات المالية الإسلامية أن تسعى في هذه المرحلة إلى حوكمة أعمالها وضبطها بمعايير استنادا إلى الشريعة الإسلامية؛ وذلك لتسهيل عملية إبراز الجوانب التشريعية التي لا بد أن تلتزمها الدول التي ترغب في استقطاب استثمارات المؤسسات المالية الإسلامية، وليسهل أيضا أخذ هذه المعايير في الاعتبار لدى المؤسسات والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.