التيسير الكمي الثاني في أمريكا
تتركز أدوات المصارف المركزية في استخدام أسعار الخصم أو الريبو والريبو العكسي للتأثير في معدلات الفائدة, التي تؤثر في النشاط الاقتصادي. ويمكن خفض معدلات الفائدة قصيرة الأمد حتى تقترب من الصفر، لكن في حالة عدم كفاية هذه الأداة في تحريك الاقتصاد فإن على المصارف المركزية البحث عن وسائل أخرى لتنشيط الاقتصاد. ويهدف خفض أسعار الخصم على الفائدة قصيرة الأجل إلى التأثير في معدلات الفائدة طويلة الأجل, التي يؤمل أن يساعد خفضها على تحفيز الاستثمار والاستهلاك, اللذين سيدفعان عجلة النمو الاقتصادي. وبذلت المصارف المركزية جهدها في مجال خفض معدلات الخصم لإقراض المصارف التجارية, لكن معدلات الفائدة طويلة الأجل كانت مرتفعة ولا تشجع على الاقتراض, ما أبقى الاقتصاد في وضع نمو سلبي أو منخفض. ووصول أسعار الخصم إلى الصفر لا يعني نهاية المطاف للمصارف، حيث تملك المصارف المركزية وسيلة إضافية للتأثير في النشاط الاقتصادي, وذلك من خلال شراء السندات طويلة الأجل والتسبب في رفع أسعارها ما يخفض العائد على هذه السندات. ويتسبب خفض العائد في تراجع معدلات الفائدة طويلة الأجل وتكاليف الاقتراض, ما يرفع الطلب على الائتمان. ولدى المصارف المركزية القدرة على توسيع ميزانيتها العمومية بلا حدود, لهذا فهي قادرة على شراء أحجام ضخمة من السندات.
وتنطلق أسس استخدام التيسير الكمي من العلاقة العكسية المتوقعة بين معدلات الفائدة طويلة الأجل والنمو في حجم الائتمان، وكذلك وجود علاقة قوية بين النمو في إجمالي الائتمان والناتج المحلي الإجمالي. وتشير بعض التطبيقات العملية لقياس تأثير تغير حجم الائتمان في الناتج المحلي الأمريكي إلى وجود علاقة إيجابية بينهما تصل إلى نحو 0.6، وهو ما يعني أن ارتفاع الائتمان بنسبة 1 في المائة يقابله ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6 في المائة، لكن هذه العلاقة تراجعت في الأعوام التي تلت 2006 بسبب الظروف الاستثنائية التي مر بها الاقتصاد.
وأدى نجاح الجمهوريين في الانتخابات البرلمانية النصفية إلى فقدان الآمال برفع الإنفاق الحكومي أو التوسع المالي, الذي يرى كثيرون أنه ضروري لاستمرار تحفيز الاقتصاد. وفي ظل هذا الفوز والنمو الاقتصادي الضعيف للاقتصاد الأمريكي أجبر مجلس الاحتياط الفيدرالي (الفد) على تبني سياسات التيسير الكمي الثانية في محاولة لتحفيز الاقتصاد. وأعلنت لجنة السوق المفتوحة التابعة لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي البدء في عمليات التيسير الكمي الثانية, التي سيخصص فيها 600 مليار دولار لشراء السندات الحكومية. وسيضاف مع مرور الوقت نحو 300 مليار دولار من عوائد واستحقاقات السندات ووسائل الائتمان الأخرى إلى برنامج شراء سندات الخزانة, ما سيوصل عمليات التيسير الكمي الثانية إلى نحو 900 مليار دولار.
منذ أعلن (الفد) عمليات التيسير الكمي الثانية ارتفعت أسعار الأسهم، لكن ارتفاعها هذه المرة كان أضعف من ارتفاعها بعد إعلان التيسير الكمي الأول. ويبدو أن هذا يرجع إلى أن التيسير الكمي الأول نفذ عند نقطة فقدان الأسهم نسبة كبيرة من قيمتها وبسبب الإشارات القوية التي أبدتها الحكومات والسلطات النقدية بأنها مصممة على إنقاذ النظام المصرفي. ويتخوف بعض المتعاملين في الأسواق المالية من أن توفير السيولة بهذه الطريقة ساعد على تضخيم أسعار الأسهم، حيث لا تزال الأساسيات في أسواق الأسهم ضعيفة، فالنمو الاقتصادي والتوظيف أقل والأرباح منخفضة. ويرى المعارضون لهذه السياسات أنها غير ضرورية في الوقت الحالي ولن تدفع الشركات لمزيد من الاستثمار، فكبريات الشركات الأمريكية ليست في حاجة إلى التمويل حيث تستحوذ على أرصدة نقدية تصل إلى تريليوني دولار. ولا تنتظر هذه الشركات تراجع تكاليف الإقراض للبدء بعمليات الاستثمار والتوظيف, إنما تنتظر تحسن المبيعات وارتفاع الأرباح. وترجئ الشركات الكبرى البدء بعمليات الاستثمار في الأسواق الأمريكية وباقي الدول المتقدمة بسبب انخفاض عوائد الاستثمار، بينما ترتفع استثماراتها في الدول الصاعدة لارتفاع عوائد الاستثمار الناتج عن النمو الاقتصادي المرتفع. ويتخوف كثير من المتعاملين في الأسواق المالية من أن هناك فقاعة أسهم تتكون الآن في الأسواق الأمريكية وباقي الأسواق العالمية بسبب خفض معدلات الفائدة الناتجة عن التيسير الكمي.
وفي المقابل يأمل (الفد) أن تؤدي سياسات التيسير الكمي الثانية إلى خفض إضافي لمعدلات الفائدة الحالية, ما يرفع إمكانات الأسر ويشجعها على الاقتراض ومزيد من الإنفاق على المشتريات، وبهذا ترتفع معدلات الاستهلاك وتشجع الأعمال على الاستدانة للتوسع في الاستثمار والإنتاج, ما يقود إلى تعافي الاقتصاد. ويأمل (الفد) أيضاً أن تؤدي سياسات التيسير الكمي إلى ارتفاع قيمة الأصول, وهذا ما حدث فعلاً في سوق الأسهم منذ إعلان برنامج التيسير الكمي الثاني. ويجري التشكيك في هذه الافتراضات من بعض المعارضين الذين يرون أن الأسر لن ترفع إنفاقها, خصوصاً في شراء المنازل. وأن كثيرا من هذه الأسر ينتظر وصول أسعار المنازل إلى حدها الأدنى. وقد تؤدي محاولة دفع معدلات الفائدة إلى مستويات أقل إلى تأخير عمليات الشراء انتظارا لوصول معدلات الفائدة إلى مستويات أقل والحصول على المنازل بأسعار أقل. وعموماً فإن عمليات التيسير الكمي الأولى لاقت نجاحاً أكثر في المرة الأولى لأنها صادفت قبولاً أكثر من الجميع وكانت مسنودة بسياسات مالية توسعية وتعاملت مع أزمة سيولة حادة, ما ولد حاجة قوية إلى التدخل لإنقاذ الاقتصاد العالمي من الهاوية. ولعل عمليات التيسير الكمي الثانية ستكون أقل حظاً في تحفيز النمو لأن الحاجة إلى السيولة تضاءلت. كما ينبغي ألا تستخدم سياسات التيسير الكمي لتأخير إجراء إصلاحات هيكلية في الاقتصاد الأمريكي, التي أهمها رفع مستويات الادخار. وهذه الاصلاحات ضرورية للتغلب على تراجع معدلات النمو الاقتصادي وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.