بالأرقام أمريكا في عام 2025.. تتراجع عن مركز الدولة الأعظم!!
تشهد ساحة النشر في الولايات المتحدة في هذه الأيام آلاف الكتب والدراسات التي تجزم بقرب انهيار الإمبراطورية الأمريكية، وعلى شبكة الإنترنت نطالع آلافا مؤلفة من العناوين التي تتحدث عن قرب سقوط الولايات المتحدة وأفولها على شاكلة سقوط الاتحاد السوفياتي وزواله، بل إن بعض الدراسات الأمريكية لعلماء معدودين كبار تحدد عام 2025 موعداً لانهيار الولايات المتحدة.
ولعل الإنسان العربي ـــ وهو الذي ناله ما ناله من أمريكا طوال أكثر من نصف قرن ـــ يتساءل: ما الفائدة التي سيجنيها العرب من سقوط أمريكا وزوالها، والإجابة أن الفائدة التي سيجنيها العرب من زوال أمريكا هي بحجم الخسارة التي خسرها بسقوط الاتحاد السوفياتي، ولكن الأهم هو: ما الدولة الأعظم التي ستحل محل الولايات المتحدة؟ إذا كانت الصين ـــ كما يقول الكثير من المؤشرات ـــ، فإن العرب في تاريخهم القديم نالهم من التتار والمغول أكثر بكثير مما نالهم من الولايات المتحدة، ويجب أن نعرف أن كل دولة عظمى لها مطامعها، وكل دولة صغرى عليها قرابين وإتاوات يجب أن تدفعها للدول العظمى.
ويحضرني هنا ما قاله بول كنيدي صاحب كتاب ''سقوط الدول العظمى'' الذي ظهر على شاشة الجزيرة، وقال: ''إن سقوط الدول وصعودها هو من قوانين الحضارة والتاريخ، بمعنى لا يمكن أن نتصور أن أمريكا لا تسقط كما سقطت ـــ منذ آلاف السنين ـــ كل الدول العظمى، ونعرف أنه قبل سنوات قليلة سقط الاتحاد السوفياتي، وقبل عقود قليلة سقطت بريطانيا العظمى، وقبلها منذ قرن واحد سقطت الإمبراطورية العثمانية.
ولا شك أن تداعيات سقوط الولايات المتحدة تشغل بال الكثير من النخب في كل دول العالم، والسبب أن صعود الولايات المتحدة أو سقوطها وهى الدولة الأعظم يؤثر في مستقبل الكثير من النخب السياسية والكثير من الدول، بل يؤثر في النظام الدولي في مجالاته المتعددة الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وانطلاقا من أهمية هذه القضية على مستقبل المجتمع الدولي، فإن مراكز الأبحاث ترصد باهتمام أسباب نزول الولايات المتحدة عن مركز الدولة الأعظم، ونلاحظ الكثير من الأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام تشير إلى أن أمريكا بدأت رحلة التراجع والتخلف في أكثر من مجال من المجالات التي كانت تتقدم فيها على كل دول العالم.
وإذا سلمنا بأن أمريكا ـــ من خلال الأرقام التي سنستعرضها ـــ تتأخر، فيجب أن نتساءل: إلى أي مستوى يأخذها هذا التأخر؟ وما الدولة أو مجموعة الدول التي ستحل محلها؟ لأن النظام العالمي لا يمكن أن يستمر دون ''رمانة الميزان''، وهي الدولة الأعظم أو الدولتين العظميين.
منذ بداية الألفية الثالثة اهتمت مراكز الأبحاث في الدول المتقدمة بنشر دراسات توضح تراجعات تسجلها الولايات المتحدة في أكثر من مجال، وبالذات في المجال الاقتصادي الذي تنازلت فيه عن الريادة إلى دول كثيرة منها اليابان وألمانيا وكوريا والآن الصين والهند، ولكن (رتم) التراجعات بدأ يتزايد منذ أن تسلم الرئيس جورج دبليو بوش مفاتيح رئاسة الولايات المتحدة، بل أصبحت التراجعات الأمريكية واضحة تماماً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، وساعتها ارتكب الصقور في الإدارة الأمريكية أخطاء قاتلة، وبالذات حينما رفعوا شعار الحرب على الإرهاب، وقدموا مشروع تغيير خريطة الشرق الأوسط، وعدوا أن كل دولة لا تستجيب لمطالبهم فإنها دولة مارقة وراعية للإرهاب، واتجهوا إلى بؤر المختلفين معهم بآلة الحرب وليس بآليات السلام، ثم بدأت أمريكا بتنفيذ سياساتها العدوانية بغزو عسكري شامل لأفغانستان، وغزو عسكري غاشم للعراق بحجة أنه أحد رعاة أسلحة الدمار الشامل، وهو ما ثبت عدم صحته وبطلانه.
والواقع أن الهزائم التي منيت بها الولايات المتحدة في أفغانستان وفي العراق أوقفتها عن استكمال تنفيذ خططها العسكرية الغاشمة، ثم بدأ التصدع في البيت الأبيض من الداخل، حيث تسابق عدد كبير من كبار مساعدي بوش إلى تقديم استقالاتهم، وبعد الاستقالات بدأ كل واحد من الصقور يصدر كتاباً عن تجربته الفاشلة، وُيحَمّل الرئيس بوش مسؤولية الفشل الذريع والهزائم النكراء وينسى أنه كان أحد صناعها وصقورها.
ويبدو الآن أن الولايات المتحدة فقدت السيطرة على إدارة العالم، وأن العالم أصبح يدار من خارج الولايات المتحدة، وهي ملامح حقيقية للسقوط. فمثلاً في الستينيات وحتى السبعينيات الميلادية كان العالم مبهوراً بالعلماء وبالسياسيين والفنانين والرياضيين ورجال الأعمال والأطباء الأمريكيين، وكانوا هم الأوائل في كل شيء، ولا يوجد على الساحة العالمية من يضارعهم، واليوم فإن أكبر دولة مصدرة للبترول هي السعودية وليست أمريكا، وإن أكبر المستشفيات في العالم في الرياض، وأكبر شركة تداول في بكين، وأقوى عملة في العالم اليوان والين وليس الدولار، وأكبر مصفاة في العالم في الهند، وأكبر طائرة ركاب في العالم تصنع في أوروبا، وأكبر صندوق استثماري في العالم يوجد في أبو ظبي، وكانت هوليوود أكبر مركز لصناعة السينما في العالم، أما اليوم فإن الهند تحتل عرش الفن على مستوى العالم، وإن أعلى مبنى في العالم يقع في دبي، وفي المستقبل القريب في أبحر جدة، وحسب قائمة أكبر عشرة أغنياء في العالم فإن اثنين من العشرة فقط من الولايات المتحدة، وكذلك فإن أمريكا اليوم لا تسيطر على أرقام الرياضة العالمية، وإنما كثير من الدول انتزع منها الكثير من الأرقام، ونلاحظ أن الدول في كل أنحاء العالم مشغولة بالإصلاح الاقتصادي والتطوير السياسي والاجتماعي، ولكن أمريكا مشغولة بقضايا الفساد المالي والاجتماعي أكثر من اهتمامها بالإصلاحات الهيكلية.
إن مركز برايس ووتر هاوس أشار في دراسة صدرت حديثاً إلى أن الصين ستحتل بدءا من عام 2025 الموقع الأول للقوة الاقتصادية في العالم الذي تحتله الآن الولايات المتحدة، وفي عام 2050 ستسيطر الصين على مجريات الاقتصاد العالمي، وتأتي الولايات المتحدة في المركز الثاني ثم تحتل الهند ثالثاً، وسيرتفع الناتج المحلي الصيني 30 في المائة بالزيادة على حجم الناتج المحلي في الولايات المتحدة. وهكذا أخذت الولايات المتحدة تسجل سلسلة من التراجعات في مجالات كثيرة، ولم تعد صاحبة الأولويات ولا صاحبة الكلمة العليا في العالم، مما يؤكد أن ميزان القوى فلت من أيدي الولايات المتحدة في كثير من مظاهر الحياة، وليس ببعيد أن يأتي اليوم وتصبح الولايات المتحدة بعد الصين وروسيا عسكريا، وعندئذ ستفقد أمريكا أهم القوى التي كانت ترعب بها العالم، وبالتالي فإنها ستفقد البقاء في المقدمة.