أسواق النفط العالمية.. دور أساسيات السوق في إعادة التوازن
مع اقتراب عام 2010 من نهايته، تواصل أسواق النفط العالمية تحقيق مستويات قياسية جديدة عالية، حيث إن أسعار خام غرب تكساس الوسيط خطت خطوة مهمة في الاتجاه التصاعدي منذ منتصف تشرين الثاني (نوفمبر)، حيث ارتفع سعره أكثر من 10 في المائة إلى 91.51 دولار للبرميل في 24 كانون الأول (ديسمبر)، وهو أعلى مستوى له في 24 شهرا. لكن الارتفاع الأخير في سعر خام غرب تكساس الوسيط، ليس له علاقة بحدوث تغير في هيكلية أساسيات أسواق النفط الأساسية وحدوث تغير كبير في التوازن بين العرض والطلب، بل هو نتيجة تحسن التكهنات بخصوص مستقبل السوق. كما أن المكاسب التي حققتها أسعار النفط أخيرا كانت أيضا ـــ إلى حد كبير ـــ نتيجة الطقس البارد في أوروبا والولايات المتحدة، التذبذب في سعر صرف الدولار الأمريكي، وسيكولوجية السوق المتفائلة تماشيا مع حركة أسواق الأسهم.
السؤال الملح حاليا هو: هل أسعار النفط في طريقها إلى الارتفاع أكثر أو أنها قد بلغت ذروتها؟ هناك اعتقاد كبير أن أسواق النفط بلغت ذروتها على الأرجح، حيث إن أسعار للنفط من ثلاث مراتب لا يمكن تبريرها بالأساسيات الحالية لأسواق النفط، على الرغم من أن سيكولوجية السوق التصاعدية يمكن أن تستمر في دفع الأسعار إلى أعلى لبعض الوقت. منذ بداية موسم الصيف، لوحظ في كثير من الأحيان الارتباط الوثيق بين أسعار النفط، أسواق الأسهم العالمية، السياسات النقدية وتحركات العملة، وخاصة سعر صرف الدولار الأمريكي. مع ذلك، على الرغم من أن أسعار النفط يمكن أن تختلف مع أساسيات أسواق النفط في المدى القصير، في نهاية المطاف هذه الأساسيات ستعمل على إعادة التوازن في الأسواق من جديد.
الاقتصاد العالمي في مرحلة التعافي حاليا، حيث تشير جميع التوقعات الأخيرة إلى أن الاقتصاد العالمي من المتوقع أن ينمو أكثر من 4.0 في المائة في عام 2010، وهي وتيرة النمو نفسها في عام 2007 قبل الأزمة المالية. هذا النمو عزز الطلب العالمي على النفط في عام 2010 بنسبة كبيرة، على الرغم من تباين التوقعات في هذا الجانب، إلا أن الطلب العالمي على النفط من المتوقع أن ينمو بأكثر من 1.5 مليون برميل يوميا على أقل تقدير، هذا أقوى كسب في مدة عام واحد منذ عام 2004. في عام 2011 سار الاقتصاد العالمي على طريق الانتعاش أيضا، لكن بصورة أبطأ من العام الحالي، حيث من المتوقع أن يتباطأ النمو إلى دون 4.0 في المائة. حيث تشير التوقعات إلى حدوث تباطؤ في الاقتصادات المتقدمة في معظم 2011 مقارنة بعام 2010، حيث من المتوقع أن يصل النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي فيها إلى نحو 2.0 في المائة في عام 2011 عقب نمو بنحو 2.7 في المائة في عام 2010. حيث إن النمو يتباطأ الآن قليلا في اليابان، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد فترة من الانتعاش الجيد نسبيا. في الولايات المتحدة يعزى التراجع إلى عدم استقرار أسواق العقار وارتفاع أرقام البطالة. في الصين من المتوقع أيضا أن يتباطأ معدل النمو، حيث من المتوقع أن ينخفض النمو في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 10.0 في المائة في عام 2010 إلى دون 9.0 في المائة في 2011، بصورة رئيسة نتيجة التباطؤ في الاستثمارات الثابتة.
هذا التباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي من المتوقع أن ينسحب أيضا على أسعار النفط العالمية، في ضوء أساسيات أسواق النفط، يبدو أنه لا توجد هناك أدلة تذكر على حدوث عدم توازن كبير في أسوق النفط بصورة عامة. بعد عامين متتاليين من الانكماش، نما الطلب العالمي على النفط بشكل مطرد في عام 2010، كما هو متوقع بعد الخروج من الأزمة. وقد كان لهذا النمو في الطلب تأثير ضئيل على المخزون العالمي للنفط، كما أن امتثال منظمة أوبك لحصص الإنتاج استمر في التراجع إلى ما دون 50 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر) لتلبية احتياجات السوق، إضافة إلى ذلك لا تزال الطاقات الإنتاجية الاحتياطية من النفط الخام وطاقات التكرير عند مستويات عالية لتغطية أي زيادة غير متوقعة في الطلب العالمي على النفط. أما في عام 2011 فمن المتوقع أن يتراجع نمو الطلب العالمي دون المستويات التي شهدها في عام 2010، حيث تتوافق معظم التوقعات على نمو الطلب على النفط في حدود 1.2 مليون برميل يوميا.
إن التباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي هو السبب الرئيس وراء ضعف نمو الطلب على النفط، لكن أسعار النفط قد تلعب هي الأخرى أيضا دورا في هذا الجانب، حيث إن أسعار النفط الحالية تعد في مرحلة من الارتفاع النسبي قد يكون لها تأثير في الطلب على النفط. إن الطلب على النفط في دول منظمة التعاون والتنمية لا يزال يمثل نحو 55 في المائة من الطلب العالمي على النفط، في الولايات المتحدة نظرا للبيئة الاقتصادية الحالية. إن تجاوز أسعار البنزين مستوى ثلاثة دولارات للجالون سيكون له أثر نفسي على المستهلكين ما قد يكون له تأثير سلبي ملحوظ على الطلب على النفط. قد ينطبق السبب نفسه أيضا على باقي دول منظمة التعاون والتنمية، لكن النظم الضريبية المختلفة يمكن أن تخفف من تأثير الأسعار على الطلب هناك. هذا أمر مهم لأن أكبر الزيادات في الطلب على النفط في عام 2010 ـــ على الأقل تلك التي فاجأت الأسواق ـــ حدثت في دول منظمة التعاون والتنمية، خصوصا انتعاش الطلب على نواتج التقطير المتوسطة في حوض الأطلسي. حيث إن أية تغيرات صغيرة في الطلب على النفط من كبار المستهلكين في العالم قد يكون لها تأثيرات كبيرة على الطلب العالمي على النفط. هناك شبه إجماع بين كبار منتجي النفط في العالم، على أن دول منظمة التعاون والتنمية لا تزال سوقا مهمة للنفط.
العامل الذي قد يسهم إلى حد ما في ارتفاع الأسعار في عام 2011 هو تباطؤ نمو الإنتاج من الدول من خارج منظمة أوبك مقارنة بعام 2010. إنتاج النفط من خارج منظمة أوبك ارتفع بنحو 1.0 مليون برميل يوميا في عام 2010. هذا الارتفاع يعادل نحو ثلثي نمو الطلب العالمي على النفط. أما في العام المقبل فإن وتيرة النمو في الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج دول منظمة أوبك من المتوقع أن تتباطأ، ذلك لأن عدد المشاريع الجديدة المخطط لها أن تبدأ الإنتاج في عام 2011 أقل نسبيا من العام الحالي، مع ذلك لا يزال من المتوقع أن يرتفع إنتاج النفط في العام المقبل بنحو 0.5 مليون برميل يوميا على أقل تقدير أي ما يعادل نحو 35 في المائة من نمو الطلب العالمي على النفط.
في معظم عام 2010 تم تداول أسعار عقود النفط الخام الآجلة ضمن نطاق 65 و90 دولارا للبرميل، في المتوسط دون 80 دولارا للبرميل بقليل حتى منتصف كانون الأول (ديسمبر). تشير معظم التوقعات إلى أن أسعار تداول النفط الخام في العام المقبل ستكون مماثلة ولكن في نطاق أعلى قليلا. حيث من المتوقع أن يتم تداول النفط ضمن نطاق 75 و90 دولارا للبرميل في عام 2011، في المتوسط من المتوقع أن يتم تداول خام غرب تكساس الوسيط أكثر من 80 دولارا للبرميل. على افتراض أن الدولار الأمريكي يتجنب مزيدا من الانخفاض مقابل العملات العالمية الرئيسة الأخرى على المدى القصيرة.
على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، على الأرجح أن يستمر تداول نفط برنت أعلى من تداول خام غرب تكساس الوسيط. حيث أسهم ارتفاع المخزون النفطي في منطقة كوشينج في الوسط الأمريكي والطقس البارد بشكل غير معتاد في أوروبا في الانخفاض النسبي لخام غرب تكساس الوسيط مقارنة بخام برنت. الارتفاع الأخير في معدل استثمار الطاقات التشغيلية في المصافي الأمريكية لم يتمكن من التغلب على المخاوف المتصلة بالأحوال الجوية في أوروبا وإعادة التفوق لخام غرب تكساس الوسيط.
الطاقات الإنتاجية الاحتياطية للنفط الخام هي بمثابة صمام أمان لأسواق النفط وعامل استقرار رئيس لها، كما أنها تلعب دورا مهما في تعويض أي خسائر غير متوقعة في العرض أو زيادة غير متوقعة في الطلب. الطاقات الإنتاجية الفائضة Spare Capacity في منظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك'' قد ارتفعت بصورة حادة جدا، كذلك المصافي قامت بخفض طاقاتها الإنتاجية بصورة كبيرة. إن الطاقات الإنتاجية الاحتياطية في منظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك'' ارتفعت إلى 7.0 مليون برميل يوميا في عام 2010، أي بزيادة تقدر بنحو 1.0 مليون برميل يوميا عن 2009، بما يعادل نحو 8 في المائة من الطلب العالمي على النفط ونحو 70 في المائة من الإنتاج الروسي، ومن المتوقع أن يستمر هذا المستوى من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية خلال عام 2011 أيضا. ارتفاع المخزون النفطي يوفر هو الآخر رادعا لارتفاع الأسعار، حيث إن المخزون النفطي في الولايات المتحدة لا يزال عاليا نحو 10 في المائة أكبر من معدل السنوات الخمس الماضية. من ناحية المنتجات، فإن مخزون البنزين الأمريكي عند منتصف معدل السنوات الخمس الماضية، ومخزون نواتج التقطير هو أيضا الآن في المتوسط التاريخي للسنوات الخمس.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.