التيسير الكمي الأول في أمريكا

بعد نشوب الأزمة المالية هبت المصارف المركزية حول العالم لإنقاذ النظام المصرفي والأسواق المالية من الانهيار ومنع حدوث كارثة مالية عالمية. وواجهت تلك المصارف خيارات صعبة للتعامل مع نتائج الأزمة المالية، ومنع انهيار النظام المصرفي والأسواق المالية حول العالم. وكان تبني السياسات النقدية الملائمة وتوقيتها، وحجم التدخلات أهم التحديات التي واجهتها. وبدأت المصارف المركزية حول العالم وبسرعة تتبنى سياسات التصدي للأزمة المالية، والتي كان أبرزها الخفض الكبير في معدلات أو أسعار الخصم حتى وصلت إلى مستويات قريبة من الصفر، وضمان الودائع للإبقاء على ثقة المودعين في قدرة المصارف على دفع أموالهم. وتزامنت السياسات النقدية مع سياسات مالية توسعية وضخ أموال في أصول المصارف وخفض الأصول السامة من ميزانيات المصارف العمومية. وتلت تلك الخطوات ما يسمى بسياسات التيسير الكمي. ووسع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (الفد) من ميزانيته العمومية بدرجة كبيرة، وذلك من خلال إضافة أصول جديدة ودون القيام بعمليات تطهير لهذه الأصول. وتوسع (الفد) أيضاً في قبول ضمانات الدولار الآمنة كرهن مقابل القروض الممنوحة للمصارف، وذلك عند نهاية عام 2008. وفي خطوات مماثلة، قام مصرف إنجلترا المركزي أيضاً برفع أصوله وذلك في محاولة جادة لإنقاذ النظام المصرفي الإنجليزي المهدد بالانهيار، ووسع قبوله للسندات غير الحكومية كضمان لقروض المصارف التجارية. وأضطلع المصرف الأوروبي أيضاً بعمليات التوسع الكمي من خلال قبول أصول أخرى غير السندات الحكومية لدى المصارف التجارية كرهن ائتمان يصل إلى عام، وذلك من أجل الحصول على اليورو.
ونتج عن الأزمة المالية العالمية أيضاً تسابق محموم لبيع السندات المدعومة بالرهن العقاري مما تسبب في خفض أسعارها. ولم يقتصر تراجع الأسعار على السندات ذات المخاطر العالية، بل شمل كل السندات المسنودة بالعقار بسبب المخاطر التي كانت تحيط بالسوق العقارية. وكان من ضمن البائعين المصارف التجارية، التي حاولت الحصول على تمويل مناسب لتلافي العجز عن توفير السيولة. وبدأت أسواق السندات المدعومة بالعقار تجف مما هدد بتوقف عمليات التمويل العقاري، والتي كانت تهدد بتراجع كبير في بيع الوحدات السكانية أو حتى توقفها. وهددت مخاطر توقف بيع الوحدات السكنية بتعمق الأزمة المالية، مما كان سيضع المزيد من العوائق لعودة الأنشطة الاقتصادية إلى وضعها الطبيعي. وفي ظل هذه المخاطر بدأ مجلس الاحتياط الفيدرالي في شراء سندات المؤسسات العقارية أو المسنودة بالعقار من خلال عمليات السوق المفتوحة في الخامس من كانون الثاني (يناير) 2009. وخطط (الفد) في أول الأمر لشراء 500 مليار دولار من هذه السندات المسنودة بالعقار، ولكنه وسع البرنامج لاحقا والذي انتهى بشراء 1.25 تريليون دولار من هذه السندات، إضافة إلى 300 مليار من السندات الحكومية. وتم الانتهاء من عمليات التيسير الكمي الأولى عند نهاية الربع الأول من عام 2010. واستهدفت عمليات التيسير الكمي الأولى دعم سوق الرهن العقاري، وبث النشاط في سوق الوحدات السكنية والسوق العقارية، ودعم الأسواق المالية والاقتصاد بشكل عام.
ونظرا للتعقيدات المرتبطة بشراء سندات الوكالات العقارية، فقد لجأت لجنة السوق المفتوحة التابعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى متخصصين في تبادل هذه السندات وتسعيرها، وذلك لتنفيذ عمليات الشراء بسرعة وبكفاءة مع خفض المخاطر المرتبطة بهذه العمليات. وتمت عمليات الشراء التي وصلت إلى 26 مليار دولار أسبوعياً بواسطة وكالات استثمار متخصصة وعلى أساس يومي. وقد شملت عمليات الشراء كل أنواع السندات من ناحية المدد أو العائد، ولكن تم التركيز على السندات طويلة الأجل والمصدرة من قبل وكالتي فاني مي وفردي ماك.
وساد تخوف كبير من تسبب هذه الخطوة في دفع معدلات التضخم ولكنه لم يحدث إلى الآن. ويعتقد بأن عمليات التيسير الكمي الأول وفرت مصادر تمويل للسوق العقارية عند توقف قسم كبير من القطاع الخاص عن شراء هذه السندات والذي هدد بتوقف التمويل في القطاع العقاري. وأسهم شراء السندات المدعومة بالعقار في الوقت نفسه في خفض معدلات الرهن العقاري ووفر موارد لبائعي السندات لمنح قروض عقارية جديدة مما شجع على تحريك المياه الراكدة في السوق العقارية. ويعتقد أيضاً أن عمليات التيسير الكمي الأولى ساعدت في استقرار أسعار المنازل مما شجع القطاع الخاص على العودة إلى سوق المنازل. وإجمالاً يعتقد بأن تدخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع من أسعار هذه السندات وساعد في الخروج من الركود الاقتصادي.
ولعب (الفد) دور المنقذ لسوق السندات المسنودة بالعقار بموجب هذه السياسات، وأصبح أكبر مستثمر فيها على مستوى العالم. وكان يشتري معظم السندات الجديدة في الأسواق، ولكن مع انتعاش القطاع الخاص بدأ بخفض حصته من شراء هذه السندات حتى توقف عند نهاية الربع الأول من عام 2010.
ولم يتم شراء السندات المسمومة أو المشكوك في تحصيلها، ولكن اشتريت السندات الجيدة مما جعل هذا البرنامج آمناً من الناحية الاستثمارية. وتدر هذه السندات عوائد تصل إلى 50 مليار دولار في العام. ويقدر بأن شراء السندات المسنودة بالعقار أسهم في خفض معدلات الرهن العقاري بنحو نقطة مئوية. وستنخفض كميات هذه السندات مع مرور الوقت، وذلك باستثمار العوائد من هذه السندات وكذلك المستحق منها في وسائل أخرى وحصريا في سندات الخزانة طويلة الأمد.
ويعتقد بأن عمليات التيسير الكمي الأول التي قام بها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (الفد) صدمت الأسواق المالية وقد تكون روعتها ولكنها نجحت على الأقل في تفعيل السياسات النقدية التي ساعدت على الخروج من الأزمة المالية. وقد استجابت الأسواق المالية لإعلان (الفد) نيته البدء بعمليات التيسير الكمي الأولى، حيث انتعشت السوق المالية، وتوقف نزيف الخسائر عندما ارتفعت من أدنى مستوياتها في آذار (مارس) من عام 2009. وقد ارتفع مؤشر 500 S&P بأكثر من 80 في المائة منذ إعلان تلك الخطة.
واستهدفت عمليات التيسير الكمي الأولى ضخ السيولة في الاقتصاد لوقف نزيف الخسائر، ثم التوقف عندما يبدأ الاقتصاد بالتقاط أنفاسه. وبالنظر إلى الوراء يمكن لمتخذي قرار التيسير الكمي الأول أن يدعوا بأنهم أفلحوا في المساعدة في وقف تراجع النشاط الاقتصادي، بل وإحداث نمو اقتصادي وإن كانت مستوياته مازالت ضعيفة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي