الريال والدولار .. عواصف فك الارتباط (5)
في هذه السلسلة ناقشت كثيرا عن العملة وانتهيت في المقال الماضي إلى مشكلة فك الارتباط واحتمالاتها وركزت على نتائج ارتفاع قيمة الريال أمام الدولار وانتهيت إلى أن الفوائض لن تعود على المواطن، بل ـــ كما ذكر أستاذنا الدكتور حمزة السالم ـــ ستكون غنيمة باردة للتجار، وأنا أضيف والعمالة الأجنبية (حتى لو تم تغيير سعر الصرف فقط دون فك الارتباط). لكن الملاحظ أن الجميع يناقشون قضية فصل الريال عن الدولار وكأن زيادة سعر صرف الريال أمر مفروغ منه وأنه السيناريو الذي سيحدث. لكن الأحداث الاقتصادية أصعب من أن تروض إلى هذا المستوى، وما يحدث في أوروبا اليوم هو أكبر مثال على النتائج غير المتوقعة لنظرية كان يجب أن تكون صحيحة. لقد ثبت خلال السنوات الأخيرة الماضية وخلال العقد الأخير من القرن الماضي أن الأزمات الاقتصادية تأتي بغتة وأنها قادرة على التطور بشكل خطير وسريع، خاصة في ظل الأنظمة الحديثة لتحويل النقد وحرية التنقل بين الأسواق. إن نقل مليون دولار قبل 50 سنة أو أكثر كان عبئا ضخما وعملية محفوفة بالمخاطر واليوم تستطيع نقل المليارات بمجرد أن تضع يدك على Entre، وهذا يخلق تحديات لأي نظام مصرفي في العالم. عندما بدأت هذه السلسلة تحدثت عن مارد سوق العملات الذي يستطيع اليوم بحجم تداولاته التي تصل إلى أربعة آلاف مليار دولار يوميا، أن يسحق أية عملة لمجرد ظهور مؤشرات ارتباك اقتصادي. وها هو العملاق الأوروبي ''اليورو'' يترنح أمام ضربات هذا المارد الذي لا يرحم، برغم أن اليورو يرتكز إلى اقتصاد عملاق متنوع المصادر والخيارات، فكيف بعملة دولة لا تعتمد إلا على النفط كمصدر أساسي للدخل. فماذا لو حدث وانقلبت الأمور ضد الريال وبدأت المضاربات على تخفيضه؟
بداية، لماذا ينخفض سعر صرف الريال؟ نعود إلى الأجزاء السابقة من هذا المقال لنعرف أن الطلب على العملة هو المحك، فإذا زادت الرغبة في عملة البلد زادت قيمة الصرف والعكس بالعكس، فعند الخروج من العملة وشراء العملات الأخرى فإنها تواجه انخفاض سعر الصرف. فإذا انخفض سعر صرف الريال مثلا، حيث أصبح الدولار بخمسة ريالات، فإن التاجر سيقدم ريالات أكثر من السابق للحصول على الدولارات التي تمكنه من شراء السلع نفسها بالأسعار العالمية نفسها، وبالتالي تتآكل ثروته المقيمة بالريال فماذا سيعمل للحفاظ عليها؟ سيعمد إلى رفع الأسعار لتعوضه عما فقده من الريالات وبذلك ترتفع الأسعار في الداخل برغم عدم ارتفاعها عالميا. لم تتغير ثروة التاجر بل بقي على حالة لكن الرواتب والأجور للموظفين ستتآكل كلما انخفض سعر صرف الريال (القوة الشرائية) طالما نحن دولة مستوردة. في هذه الحالة فإن الحل يكمن في الدفاع عن العملة حتى لا تنهار ويكون هناك نوعان من الحلول، الأول هو العودة للتثبيت، ولا يمكن ذلك لأن السوق سترفض بعدما اتخذت قرارات بيع وشراء، وستظهر لنا سوق سوداء للعملة وتهريب لها وسعران للصرف، وهي مشكلة خطيرة جدا. الحل الثاني هو التعامل مع السوق بخلق طلب على الريال من خلال قيام مؤسسة النقد بشراء الريال من الأسواق، أو من خلال رفع أسعار الفائدة على السندات والقروض المقيمة بالريال، وهذا سيعمل على تغيير قرارات الاستثمار والاحتفاظ بالريال لكسب المنافع وعدم بيعه، بل قد يخلق سوقا رائجة له من خلال تحرك السوق العالمية نحو الريال وشرائه لإعادة إقراضه ومن ثم الحصول على الفوائد المرتفعة. لكن هذا الحل ليس جيدا دائما فرع أسعار الفائدة قد يتسبب في الحد من النمو الاقتصادي للبلد لارتفاع تكلفة القروض وهذا يعود بتأثره السلبي على العملة ولو بعد حين. وكل هذه الإجراءات يمكن أن تكون مفيدة فقط إذا كانت الأسواق هادئة والثقة العالمية بالاقتصاد جيدة، لكننا جميعا نعرف أننا نعيش في منطقة ملتهبة وذات صراعات منذ الأزل، فما ردة فعل الأسواق لو حدثت مغامرات سياسية هنا أو هناك ولها تأثيرات في الاقتصاد لدينا وقد حصل مثلها كثير في السنوات الماضية. لن تفيد سياسات رفع الفائدة كثيرا وسيبقى أمام مؤسسة النقد الدفاع عن الريال بإعادة شرائه من الأسواق لتعزيز سعر صرفه، وهذه العملية ستتم من خلال التضحية بالاحتياطيات من العملة الأجنبية التي يجب أن يتم توجهيها لتلبية طلبات التجار في استيراد السلع. لكن مع توتر الأوضاع قد يبدأ العمال الأجانب لدينا بطلب تحويل الريال إلى دولار بسرعة كلما زادت الضغوط على سعر الصرف وعلى الاحتياطيات من العملة الأجنبية، ومع تزامن سياسات اقتصادية أمريكية أو أوروبية برفع سعر الفائدة هناك فإن الكارثة ستحل فعلا هنا. لن تستطيع عوائد البترول تغطية العجز الشديد في العملات الأجنبية بالسرعة المطلوبة، وسنجد أننا أمام عجز كبير في تلبية طلبات المجتمع من السلع (الأجنبية) وقد تشح الأسواق وترتفع الأسعار أكثر وأكثر وتزيد الضغوط على الريال بشكل لا يرحم. لن تستطيع الدولة العودة إلى التثبيت فذلك أصبح مستحيلا، وعلينا أن نواجه شروط العالم لإنقاذ الاقتصاد بعدما كنا نفرض عليه شروطا. ستكون الحلول مؤلمة جدا كما هي الحال دائما بدءا بتخفيض الرواتب وانتهاء بفرض الضرائب. والآن من منا يريد ذلك؟ إن السعي وراء التفاؤل المفرط خطأ اقتصادي فادح، فك الارتباط تفاؤل بقوة الاقتصاد السعودي ليس له ما يبرره. ولنا في المكسيك واليونان عبرة. لم تكن المكسيك تصدق أنها وقعت في أزمة اقتصادية هائلة بسبب سعر الصرف وهي تنام فوق بحر من البترول. لم تصدق اليونان أنها فقدت احتياطياتها بين يوم وليلة وأن نعمة الرواتب المرتفعة ذهبت ولن تعود. لقد كتبت سلسلة عن أزمة اليونان والمكسيك في مقالات سابقة وقلت إن الأزمة الاقتصادية تتفاعل وتتطور بشكل مذهل وخلال أشهر بعدد أصابع اليد والواحدة، وإن أسباب معظم الأزمات كانت قرارات اقتصادية غير رشيدة في زمن التفاؤل.
إن تحمل الضغوط التضخمية نتيجة خلل بعض هياكل الاقتصاد لدينا أمر يمكن التعامل معه ولكن ليس بإقحام الاقتصاد ككل في مغامرة لا تعرف نتائجها. يجب علينا مواجهة المشكلات الاقتصادية الحقيقية وليس ظواهرها فقط، فضعف إنتاج المواطن السعودي (كما هي الحال في كل الدول العربية) قضية يجب طرحها بكل شفافية وصدق وتقديم حلول لها. هل تتناسب الرواتب في كل القطاعات، هل هي متناسبة مع حجم الإنتاج والقيمة المضافة للاقتصاد. ما قدراتنا على الاكتفاء الذاتي وأين تكمن؟ ما ميزتنا النسبية أمام العالم التي يجب أن نعمل على تطويرها؟ ماذا يريد العالم منا وماذا نستطيع أن نقدم له؟ هذه الأسئلة وغيرها هي لب الموضوع وهي سبب مباشر للضغوط التضخمية وما سعر الصرف إلا مرآة الاقتصاد.