اللغة وعالم المال والتجارة والاقتصاد

اللغة هي من أهم الخصائص التي تميِّز البشر عن الموجودات والمخلوقات الأخرى في الكون. هي أم العلوم. من خلالها وبواسطتها نعرف بعضنا بعضا ونحس بوجودنا ونتعرف على تاريخنا ونستدل ــــــــــ نحن المؤمنين ـــــــــــ على وجود الخالق العظيم. والله ذاته ــــــــــــ سبحانه وتعالى ـــــــــــ يستخدم اللغة لتوصيل رسالته إلينا من خلال الأشخاص الذين اصطفاهم لهذا الغرض.
وفي هذا العمود تحدثنا عن دور اللغة في ترسيخ المفاهيم والثقافات والفلسفات والأفكار. وتحدثنا كثيرا كيف تحاول السلطة ـــــــــــ دينية أو دنيوية ـــــــــــ غرس مفاهيم محددة دون غيرها في أذهان الناس؛ بغية قيادتهم صوب ما تطمح إليه رغم تعارضه مع ما يبتغيه النص، الذي هو واحد من المكونات الأساسية للغة.
واللغة تنبع سطوتها وانتشارها ورغبة الناس في تعلمها من سطوة ومكانة الناطقين بها. كلما زادت مكانة الأمة التي تتكلم لغة معينة في الثقافة والاقتصاد والعسكر، قوي مركزها وزاد انتشارها. واليوم تحتل الإنجليزية مكانة اللغة الأكثر تأثيرا واستخداما في العلوم والتكنولوجيا والمال والتجارة والاقتصاد.
وكل لغة لها مكانتها الخاصة لدى الشعب الناطق بها. بيد أن النظرة إلى هذه المسألة تختلف من شعب إلى آخر. فمثلا، تنظر بعض الشعوب إلى لغتها من باب الوطنية المتطرفة، وهذا يقودها إلى اتباع أسلوب التطهير اللغوي، بمعنى آخر تفرض لغتها على الشعوب المنطوية تحت سلطتها وتمنعهم من دراسة أو حتى ممارسة لغتهم الخاصة. ويصل هذا الأمر إلى درجة أن يمنع التدريس باللغة غير الوطنية حتى في الفروع العلمية التي تشكل الإنجليزية مثلا أكثر من 95 في المائة مما هو متوافر من مصادر أكاديمية أو علمية.
وتعد شعوب كهذه زيادة سطوة اللغة المحلية وفرضها بالقوة حتى على الشعوب الأخرى، من المنجزات الوطنية. وقلما يدور في خلد هذه الشعوب أن فرض اللغة بهذا الأسلوب له نتائج سلبية وخيمة. وضع كهذا يؤدي إلى نشوء جيل يفتقد التواصل، وتصبح ملكة الحوار لديه مع الآخر محدودة، ويمتلك وجهة نظر قصيرة عن شؤون الدنيا والعالم الذي حولنا.
وأول دولة في الدنيا أحست بخطورة التطهير اللغوي هي السويد. في هذا البلد لا تشعر أنك غريب لو تحدثت الإنجليزية. والغريب في الأمر أن علماء هذا البلد أكثر نشاطا في مجال دور اللغة في العلم والمال والتجارة والاقتصاد من علماء أي بلد آخر في العالم. وإحدى الأطروحات العلمية التي قرأتها كأحد الأساتذة المشرفين، كان موضوعها يدور حول أهمية اللغة الإنجليزية ودورها في نمو الصادرات السويدية وتطور الصناعة والتجارة في هذا البلد. وخلاصة الدراسة أن الشركات والمؤسسات السويدية، الصغيرة والكبيرة، والعامة والخاصة، يعتمد نجاحها في عالم المال والاقتصاد والتجارة على مدى استيعاب مديريها ومسؤوليها وحتى العاملين فيها، للغة الإنجليزية. كلما زاد استيعاب شركة أو مؤسسة للإنجليزية، زادت أرباحها ونمت صادراتها، والعكس صحيح.
وهذه الدراسة بالذات شجعتني على إصدار كتاب جديد يتناول الأخطاء الشائعة التي يرتكبها السويديون لدى كتابتهم الإنجليزية، لا سيما عند تناولهم شؤون المال وإدارة الأعمال والتجارة. وسرعان ما احتل الكتاب الصدارة في المبيعات، وما زال الرقم واحد من أفضل عشرة كتب مبيعا في حقله. انظر: http://www.adlibris.com/se/content.aspxadditem=8215013023&page=content.a....
واليوم تعد ستوكهولم، عاصمة السويد، أكثر المدن ضيافة من ناحية اللغة بعد ذي ستي في لندن. قد يقول قارئ ماذا عن دبي وقطر. المقارنة ليس في محلها على الإطلاق. في السويد، يدير أمور المال والتجارة السويديون أنفسهم لأنهم يتقنون الإنجليزية. في دبي وقطر قلما تشاهد موظفا محليا واحدا بين أفواج الأجانب الذين يديرون الدفة.
وأبغض شيء في السويد هو مسألة التطهير اللغوي. هناك أكثر من 12 لغة رسمية في السويد إضافة إلى السويدية. وهذا معناه أن السويديين من الأجانب، ومنهم العرب، يحق لهم طلب مترجم خاص ينطق لغتهم لدى الاتصال بالمؤسسات التي تديرها الدولة. ليس هذا فقط. السويد تلزم أطفال الأجانب من مواطنيها تعلم اللغة الأم. وهذا شرط لا يجوز مقاومته. وكثير من اللغات ربما كانت ستنقرض لولا تشجيع السويد الأفراد الناطقين بها من سكانها.
هل أصبحت السويد أقل وطنية من دول تضع لغتها في مصاف العرقية والإثنية السامية؟ كلا. السويديون يحبون لغتهم مثل أي شعب آخر. لهم من الكتاب والشعراء والصحافيين ممن يشار إليهم بالبنان في أرجاء المعمورة كافة. الفرق أن السويد تنظر إلى مسألة اللغة من ناحية علمية وتطبيقية ونفعية وإنسانية بحتة.

وإلى اللقاء

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي