الوقود الحيوي في أمريكا... ماذا بعد 15 عاما؟
معظم دول العالم المستهلكة للنفط تسعى لإيجاد بدائل عن النفط من أجل تنويع مزيج الوقود المستخدم في مجال النقل والمواصلات، زيادة أمن الإمدادات وتخفيض انبعاث الغازات الدفيئة. أحد الجوانب المقترحة لتقليل انبعاث الغازات الدفيئة وتحقيق باقي الأهداف هو التوسع في إنتاج الوقود الحيوي، كبديل للبنزين ووقود الديزل في مجال النقل. على مدى السنوات العديدة الماضية تم الترويج للوقود الحيوي في الولايات المتحدة وأوروبا باعتباره وسيلة لمعالجة المخاوف المتعلقة بتغير المناخ وفي الوقت نفسه الاستجابة لهاجس أمن إمدادات الطاقة. الولايات المتحدة عمدت إلى إدخال تغييرات كبيرة على متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود وحددت ضمن قانون خاص حدا أدنى إلزاميا من الأنواع المختلفة من الوقود البديلة والمتجددة لتحل محل استخدام البنزين في قطاع النقل.
على الرغم من أن هذه الأنواع من الوقود لا توفر حلا واضحا وسهلا على الفور، حيث إن هناك عددا من التحديات والمعوقات التي تحول دون زيادة إنتاج الوقود الحيوي وبالذات الإيثانول. إلا أن الولايات المتحدة سنت قانونا في عام 2007 لزيادة نسبة الإيثانول في مزيج وقود النقل ليصل إلى نحو 2.35 مليون برميل يوميا (36 مليار جالون في السنة) كحد أدنى من أنواع الوقود البديلة والمتجددة بحلول عام 2022. قانون الوقود البديل والمتجدد وضع أهداف ملزمة لكل سنة حتى الوصول إلى الهدف النهائي. إن معظم النمو في المرحلة الأولية سيكون من الإيثانول المستخرج من الذرة، لكن بعد عام 2015، معظم هذه الزيادة من المقرر أن تأتي من الجيل الثاني من الوقود الحيوي Second Generation Biofuels، حيث حدد القانون حدا أعلى للإيثانول المستخرج من الذرة لا يتجاوز 15 مليار جالون في السنة.
الهدف الذي حدده القانون يمثل زيادة في استهلاك الوقود الحيوي بنحو ثلاثة أضعاف عن المستوى الحالي، ويمثل أيضا نحو ربع الطلب السنوي على البنزين في الولايات المتحدة في عام 2022. لكن تحقيق هذا المستوى من الإنتاج سيمثل في نفس الوقت تحديا كبيرا لصناعة الوقود الحيوي في الولايات المتحدة، من المرجح أيضا أن يكون له آثار مهمة بالنسبة لأنواع السيارات المبيعة والبنية التحتية لمحطات توزيع الوقود، خاصة إذا كان هذا المستوى من استهلاك الوقود الحيوي سيتم توفيره في المقام الأول من الإيثانول. على الرغم من أن القانون لم يحدد أي نوع معين من الوقود الحيوي. لكن، لا يوجد حاليا أنواع أخرى بديلة للوقود الحيوي مجدية اقتصاديا غير الإيثانول، بخلاف كميات صغيرة من وقود الديزل الحيوي.
لكن الجدل يحوم مرة أخرى حول سوق الإيثانول في الولايات المتحدة، بعد قيام وكالة حماية البيئة الأمريكية أخيرا بزيادة نسبة الإيثانول المسموح مزجها مع البنزين للسيارات والشاحنات الخفيفة من طراز عام 2007 صعودا إلى 15 في المائة E15 من 10 في المائة قبل تشرين أول (أكتوبر) الماضي، حيث إن هذا الحد الأقصى للمزج كان يشكل عقبة مهمة تحول دون زيادة استهلاك الإيثانول. صاحب هذا القرار ظهور موجة من المعارضة، وراء هذه الخلافات يقف قطاع الإيثانول في الولايات المتحدة على مفترق طرق، حيث سيكون للتطورات في هذا القطاع آثار عميقة على جهود الولايات المتحدة للحد من اعتمادها على الوقود النفطي.
حتى الآن، حافظت صناعة الإيثانول في الولايات المتحدة على أهدافها المحددة. أحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة الطاقة المتجددة تبين أن إنتاج الإيثانول وصل إلى 13.4 مليار جالون سنويا أو 874 ألف برميل يوميا، أي ما يكفي لتعويض ما يقرب من 10 في المائة من إمدادات البنزين في الولايات المتحدة، هذه الكمية أكثر من 12.95 مليار جالون المقررة لعام 2010. لكن صناعة الإيثانول ما زالت تكافح في تحقيق الإنتاج المطلوب من الجيل الثاني من الوقود الحيوي. حيث إن في هذا العام كان من المفترض أن يسهم الوقود الحيوي السليلوزي بنحو 100 مليون جالون في مزيج الإيثانول، لكن هذا الهدف قد خفض إلى 6.5 مليون جالون فقط في هذا العام، كما اقترحت وكالة حماية البيئة خفض هدف العام المقبل من 250 مليون جالون إلى 5 و17 مليون جالون فقط.
وقد أولى هذا العجز في الطاقات اهتمام كبير من قبل القائمين على الصناعة، التي يبدو من غير المحتمل أن ينتهي قبل تحسن اقتصاديات مشاريع الوقود الحيوي السليلوزية ذات النفقات الرأسمالية الكبيرة. إضافة إلى ذلك هناك تحديات على نطاق أوسع وأكثر أساسية ما زالت موجودة أيضا، على افتراض قدرة وجاهزية المنتجين على الوفاء بالتزامات معايير الوقود المتجدد، السؤال يبقى فيما إذا إن الأسواق الحالية لها القابلية على استيعاب هذه الكميات بدلا من البنزين التقليدي؟
عندما تم اعتماد معايير الوقود المتجدد في عام 2007، استهلاك الولايات المتحدة من البنزين كان قد ارتفع في كل عام منذ عام 1991، أما الآن فإن ارتفاع الطلب على البنزين في الولايات المتحدة قد توقف عند نحو 9.0 مليون برميل في اليوم، أو نحو 300 ألف برميل يوميا عن الذروة 9.29 التي بلغها في عام 2007، ويرجع السبب في ذلك جزئيا إلى تقدم الإيثانول. كما أن الركود الاقتصادي، التغيرات الهيكلية في الاقتصاد الأمريكي، معايير كفاءة الوقود الجديدة وارتفاع الأسعار أضعفت أيضا من الطلب على البنزين. لذلك، لا يمكن أن يعوض الإيثانول ببساطة كميات أكثر من البنزين ويقلل من اعتماد الولايات المتحدة على الوقود الأحفوري، الذي يمثل الهدف الرئيس المنصوص عليه في معايير الوقود المتجدد.
حيث إن الخصائص الفيزيائية للإيثانول تختلف عن خصائص مشتقات البنزين، ما يجعل محطات تعبئة البنزين الحالية ومركبات البنزين التقليدية غير ملائمة لوقود يحوي نسب عالية من الإيثانول مثل وقود الـ E85. كما أن الإيثانول له قابلية على تآكل المعادن والمواد أكثر من البنزين، وبالتالي يمكن أن يعمل على تآكل أنواع معينة من المواد، مثل الألمنيوم وأجزاء من المطاط، والتي توجد عادة في البنية التحتية لمحطات تعبئة البنزين ومحركات مركبات البنزين التقليدية. في الوقت الذي كان يعتبر فيه البنزين الذي يحتوي على 10 في المائة فقط إيثانول آمن للمحركات، خزانات الوقود في المحطات ووحدات التعبئة، لكن أي نسبة فوق ذلك ستكون في حاجة إلى معدات منفصلة مكلفة، صممت خصيصا لمعالجة الوقود المتطاير. هذا ناهيك عن العقبات التنظيمية أو القانونية السائدة.
هذا وكان لقرار وكالة حماية البيئة للسماح باستخدام E15 اعتراف رسمي بأن هذا النوع من الوقود يمكن أن يستخدم في بعض المركبات فقط، وليس إلزاما يتطلب استخدامه في جميع المركبات. إضافة إلى ذلك مركبات E85 التي تعمل على 85 في المائة إيثانول و15 في المائة بنزين، لم يتم التوسع فيها كما كان متوقعا.
من خلال السماح E15 في مزيج البنزين مع وجود استثمارات كافية، كميات الإيثانول نظريا يمكن أن تصل إلى 20.7 مليار جالون سنويا استنادا إلى أرقام استهلاك البنزين الحالية، بهذا الرقم يمكن تحقيق الأهداف المنصوص عليها في عام 2015. لكن إذا استمر الركود في الطلب على البنزين، التوسع أكثر في كميات الإيثانول فوق هذا المستوى هو ببساطة غير ممكن عمليا ولا حتى نظريا في الوضع الراهن.
في هذا الجانب أشار عدد من المختصين والقائمين على صناعة الوقود الحيوي أنه إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن، فإنه من الصعب جدا أن نتوقع كيف يمكننا تحقيق أهداف الوقود المتجددة في المواعيد المحددة لها ضمن إطار قانون الوقود البديل والمتجدد.
أحد الخيارات المتاحة أمام الحكومة الأمريكية لتنقيح معايير الوقود المتجددة المنصوص عليها هو الاعتراف بوصول استهلاك البنزين إلى ذروته في الولايات المتحدة، وربما اعتماد نظام يستند إلى نسبة مئوية تأخذ في الاعتبار كلا من الطلب على وقود النقل وحدود مزيج الوقود الحيوي. الخيار الآخر المتاح قد يكون من خلال إصلاح هيكل الحوافز الذي يدعم الوقود الحيوي بصورة عامة والإيثانول بصورة خاصة. هذا الاقتراح يشمل التخلي عن برنامج الدعم الكبير الحالي، الذي يصل إلى أكثر من 80 دولارا عن كل برميل من الإيثانول، والتركيز على خيارات أخرى أكثر فعالية. من هذه الخيارات إعطاء حوافز أكثر، لكن هذه المرة لدعم الإسراع في تعديل أسطول النقل الحالي في الولايات المتحدة لتمكينه من التعامل مع E15 أو أعلى، وكذلك التوسع ببناء خطوط الأنابيب وغيرها من البني التحتية لتسهيل توزيعه. لكن نظرا للتفاوت الكبير في وجهات النظر في الوقت الحاضر بين أصحاب القرار على كيفية معالجة العجز الكبير في الميزانية وإنعاش الاقتصاد، فإن الخيار الأخير يبدو مشكوكا فيه، في حين أن الخيارين الآخرين ليسا على قائمة الأولويات التشريعية حاليا.
على الرغم من أن وقود الإيثانول غير مجد اقتصاديا بعد بصورة كاملة في الولايات المتحدة ونسبته في مزيج الطاقة ما زالت محل جدل، إلا أن تأثيره كبير في استهلاك البنزين والذي يشكل نحو 50 في المائة تقريبا من إجمالي الطلب على النفط في الولايات المتحدة. لكن مع الوصول إلى الحد الأقصى المسموح به للمزج سيكون من الصعب زيادة كمية الإيثانول في مزيج الوقود. سيتطلب الأمر تنازلات كبيرة لتجاوز نسبة E15 ، في حين أن الجيل الثاني من الوقود الحيوي لا يزال أمامه سنوات أو عقود قبل أن يصبح مجدي اقتصاديا. وقد تنهار أسواق الإيثانول في الولايات المتحدة في حالة إضافة إمدادات أكثر إلى الأسواق المكتفية حاليا.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.