رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بن لادن الغرب: جوليان أسانج

بدأ بن لادن بخطف الأنظار في العقد الماضي ورفع درجة الحساسية والانفعالات، مما أحدث تغيرات اجتماعية عميقة وسياسية مجلجلة، امتدت تفاعلاتها إلى الحرب في العراق وأفغانستان وانتهت بتصاعد إيران إقليمياً ومحاولة تركيا المنافسة إسلاموياً، واضطراب وشك سياسي في الغرب وإسرائيل، خاصة بعد أن انخفض سقف الإمكانات الاقتصادية في أمريكا والغرب عموماً. هذا العقد الجديد يبدأ "بإرهابي" آخر ومن نوع آخر: جوليان أسانج. استطاع فتح جرح في العلاقات الدولية، وأصاب قيمة الأسرار السياسية والدبلوماسية في مقتل. يلتقي بن لادن وجوليان في فتح الجروح ورفع درجة الحساسية والجر إلى تصلب في المواقف السياسية.
يجتمع الاثنان في أنهما أدوات تاريخية تعبّر عمّا سبقها من تراكمات؛ فالدفع التاريخي يتراكم إلى أن يأتي مَن يشعل الفتيل لكي تبدأ التفاعلات الكامنة والإرهاصات الخفية التي تحت أو فوق الأرض، بالظهور وتبدأ المراكز تتغير ويختلف الاصطفاف. كما يتفق الاثنان على الإرهاصات التآمرية التي ما زالت عالقة مع بن لادن حتى الآن وستستمر مع جوليان لأكثر من عقد أيضاً. النظرة التآمرية لها جانبان؛ الجانب الموضوعي أن السياسة من أقرب الأعمال الإنسانية إلى الذهن والعاطفة والمصالح، فهي بالتالي قريبة دائماً للتوجسات شبه التآمرية؛ والجانب الآخر أن أمتنا بسبب تخلفها المزمن منذ قرون، وابتعادها عن الحركة العصرية، فهي دائماً تجد في المؤامرة ضالتها معلوماتيا وعلاجها عاطفياً، ولذلك ستستمر المؤامرة لأنها ربيبة المرحلة التاريخية.
كما يتفق الاثنان في كونهما نتاج العصر بامتياز. فالأول أجاد استخدام التقنية الحديثة وبتكلفة زهيدة لمحاربة الأقوى، والثاني أجاد استخدام تقنية العصر المعلوماتية في نشر الأسرار، واختصر المساحات الجغرافية والطبقية بالضغط على أزرار الحاسب، وبتكلفة زهيدة أيضا. طبيعياً هناك اختلافات جوهرية بين الاثنين؛ منها أن الأول عنيف ويعد نفسه في حرب، والثاني وديع ولكنه أيضا في حرب لكشف الحقيقة.
يستحق جوليان أسانج الاحترام والعرفان بتوجيه ضربة معاكسة لمَن هو ضد الشفافية وشمس الحقيقة، ليس فقط في دهاليز الصالونات الدبلوماسية وأروقة السياسة، بل في رفع مستوى المكاشفة بين الشعوب وقيادتها. لا شك أنه في حسابات الربح والخسارة الكل سيحاول تسجيل نقاط وبالتالي سيظهر مستفيدون. ولعل إسرائيل وإيران تبدوان مستفيدتين ولو من زوايا ودرجات مختلفة، ولكن التفاعلات ما زالت في بداياتها ناهيك عن المعلومات.
ما يهم ليس الأشخاص أو الوسيلة، وحتى أعمال هؤلاء إلا بقدر عامل الضغط الزماني على المجتمعات والسياسة في الدول العربية. التركيز على الشرق الأوسط واضح للجميع فاعل ومفعول. ضغط هذه الأحداث يجعل من التفكر وهضم نتائجها صعبا جداً. فالمتغيرات كثيرة وتراكمها يجعل من قراءتها مهمة صعبة حتى على أكفأ المراقبين، ولكن الثابت في هذه التحولات هو عدم قدرتنا على نهج سياسات تنموية أصيلة ومؤصلة بحيث نكون أقوياء داخلياً قبل خارجياً. دون نهج تنموي صائب لن نكون فاعلين في أي اصطفاف جديد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي