رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


فقراء الأثرياء

''إننا نرتكب إثماً، عندما يكون بؤس الفقير سببه قوانين المؤسسات، لا قوانين الطبيعة''
تشارلز داروين عالم الطبيعة الإنجليزي

يستطيع الفقراء ''التقليديون'' (أو الذين لا يعرفون سوى الفقر في حياتهم)، أن يواسوا النفس قليلاً. فآفة الفقر لم تعد حكراً عليهم، ولم تعد صفة أبدية ملتصقة بهم، بصرف النظر عن ضخامة أعدادهم. وبإمكان هؤلاء النظر إلى جهة الغرب الثري (أو الذي كان ثرياً قبل الأزمة الاقتصادية العالمية)، لا إلى بعض الشرق الفقير في آسيا، ولا كل الجنوب الفقير في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكي يشهدوا انضمام ''زملاء'' جدد لهم. من أين؟ من قلب القارة الأوروبية!. يمكن للفقراء والجوعى، الذي ''يتوارثون'' الفقر أباً عن جد، أن يستغربوا من هوية ''الزملاء'' الجدد، ويمكن أن يُشككوا في فقرهم، على اعتبار أن أوروبا، تجاوزت الفقر ـــ بمفهومه العام ـــ منذ قرنين من الزمن، وأسست لمجتمعات فيها الحد الأدنى من الكرامة الغائبة عن قارات بأكملها في هذا العالم. ويمكن أن يرتابوا أيضا، لأن الفقراء الغربيين الجدد، انضموا إليهم من دول باتت جزءاً أصيلاً من هيكلية الاتحاد الأوروبي. هذا الاتحاد الذي يهدف أساساً ـــ منذ بدء خطواته الأولى في خمسينيات القرن الماضي ـــ إلى جعل الرخاء السمة الأساسية لشعوبه، وتكريس الكرامة كجزء رئيس من العمل السياسي ـــ الاقتصادي ـــ الاجتماعي، وقتل المعاناة أينما وجدت ضمن حدوده. لكن الأمر ليس كذلك في الواقع. نعم.. هناك ملايين الأوروبيين من الذين يعيشون في فقر مدقع، وهناك ملايين آخرون من أولئك الذين نالوا جانباً واحداً على الأقل من آثام الفقر، ومن شظف العيش، ومن فقدان الكرامة.
يقول نيكولاس تشامفورت الأديب والكاتب الفرنسي: ''هناك طبقتان في المجتمع. الأولى: تمتلك الطعام أكثر من شهيتها، والثانية تمتلك الشهية أكثر من طعامها''. وبعده قال الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس: ''إن الفقر السائد في الطبقة المتعلمة، هو أسوأ الأوبئة الأخلاقية التي تعانيها الحضارة''. والحقيقة، أن فحوى المقولتين ينطبق بصورة واقعية على الحالة الغربية، لا سيما الأوروبية منها. فهناك طبقتان بالفعل. الأولى تستحوذ على الطعام أكثر مما تحتاج، والثانية ''تستحوذ'' على الشهية أكثر مما تملك من طعام. والطبقة المتعلمة في أوروبا، تشكل الشريحة الأعرض والأكبر فيها، فيما لو قورنت بالطبقات المماثلة في مناطق أخرى من العالم. أن تَعثر عن الفقر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، هو أمر طبيعي. فبلدان هذه القارات، امتزجت حياةً وكرامةً، بالعوز والشح والقحط والجوع والمرض والأوبئة. لكن أن ''تتعثر'' بالفقر في قلب أوروبا، هو أمر يدعو إلى التأمل، ولا بأس من الاستغراب معه.
بعد عامين تقريباً من اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، يتوصل المركز الأوروبي للإحصاء (يورستات)، إلى نتائج تنطبق على دول نامية، لا على الدول الـ27 التي تشكل الاتحاد الأوروبي!. فقد وجدت دراسة المركز التي حملت عنوان ''الدخل وظروف الحياة في الاتحاد الأوروبي''، أن 116 مليون إنسان (أي ما يوازي ربع سكان الاتحاد تقريباً)، تعرضوا للفقر أو إلى شكل من أشكاله، منذ عام 2008، وأن 42 مليونا من هؤلاء، عانوا الحرمان الشديد، مثل عدم القدرة على دفع الفواتير، والمحافظة على دفء منازلهم، وامتلاك سيارة وهاتف. ويتركز أغلبهم في بلغاريا ورومانيا ولاتفيا، في حين كانت النسب الأقل في السويد وهولندا والدانمارك وإسبانيا ولوكسمبورج. وعلى صعيد آخر من الفقر، فقد أظهرت الدراسة أن 34 مليون أوروبي ينتمون إلى أُسر ضعيفة مهنياً، حيث يعمل الراشدون بنسبة أقل بـ20 في المائة من قدراتهم، ومعظمهم في إيرلندا.
وعلى الرغم من أن الفقر نال من جميع شعوب الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يبدو مستحكماً بصورة كبيرة في دول شرق القارة، الأمر الذي يكرس وجود طبقية أوروبية، لم تقم استراتيجية الاتحاد بتخفيف فوارقها طوال السنوات الماضية. ففي داخل الاتحاد الأوروبي هناك غرب بوفرة ـــ وإن تقلصت هذه الوفرة كثيراً بسبب الأزمة ـــ وشرق بشح!. والحقيقة أن دول الشرق الأوروبي، تحولت بعد انضمامها إلى الاتحاد، من دول العالم الثاني على الصعيد الدولي، إلى دول نامية على ساحة الاتحاد!. فقد أثبتت آليات الاتحاد فشلها في رفع دول ''الصف الثاني''، إلى ''الصف الأول'' عالمياً. وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة حقيقية وفورية، إذا ما أراد القائمون على الاتحاد، أن يكون منظومة متناغمة بشكل كامل، لا بصورة جزئية، وأن يستحق توصيفه، كواحد من أفضل الاتحادات العالمية.
هذا بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي استحوذت على أكبر عدد من الفقراء منذ اندلاع الأزمة العالمية. أما فيما يتعلق بالدول التي ''احتضنت'' العدد الأقل، فالوضع ليس جيداً، بل يتفاقم بصورة خطيرة، مع تفاقم أزمة الديون الحكومية، و''الاستحقاقات التقشفية'' لهذه الأزمة. وقد شهدت الدول التي تعاني أزمة الديون والعجز في موازناتها (من بينها بريطانيا واليونان وإسبانيا وإيرلندا)، موجات خطيرة من الاحتجاجات الشعبية، وضعت مستقبل حكوماتها على المحك. وفي دولة كبريطانيا تتمتع بثالث أكبر اقتصاد أوروبي، وسادس أكبر اقتصاد عالمي (بعد احتلال الصين المركز الثاني عالمياً)، يرغب ثلاثة أرباع سكانها ـــ حسب استطلاع لجريدة ''ديلي ميل'' البريطانية ـــ في الهجرة بسبب الصعوبات الاقتصادية!. وأن ربع هؤلاء يعتزمون فعلاً الهجرة، مع تآكل القوة الاقتصادية لبلادهم!. وفي النمسا ـــ مثلاً ـــ البلد الأوروبي الرابع من حيث الثراء في القارة، ارتفع عدد المتاجر الخيرية، التي تبيع بضائعها بأسعار رمزية جداً، وفي بعض الأحيان مجاناً، حسب حالة المشتري المعيشية. لا نتحدث هنا عن اليونان أو البرتغال أو إسبانيا، التي تمكنت منها مؤشرات الفقر بكل أشكاله، ونالت بعض الشرائح فيها، شكلاً واحداً على الأقل من الفقر والشح والحاجة، لا سيما شريحتا العاطلين عن العمل وكبار السن. وعلى الرغم من أن الاتحاد أعلن نهاية عام 2009، أن عام 2010 سيكون ''عاما أوروبيا لمكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي''، إلا أنه لم يحقق أي تقدم في هذا المجال. فعدد الفقراء الأوروبيين، لم ينقص، ومعاناتهم لم تخف، بينما تزداد مخاوفهم من الآثار الاجتماعية لمخططات التقشف المختلفة.
لن تمر قضية الفقر في الاتحاد الأوروبي، ومعها أزمة الديون والعجز في الموازنات العامة، وارتفاع معدلات البطالة، دون أن تسبب تحولات سياسية واقتصادية، لا توجد حكومة في هذا الاتحاد ترغب فيها. وقد قذفت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى السطح، قضايا لم تكن موجودة على طاولة الاجتماعات الأوروبية، أو على الأقل كانت قيد التأجيل الدائم (أو إلى حين ميسرة!)، وفي مقدمتها الفجوة الهائلة بين دول غرب الاتحاد وشرقه. فالتفاوت في الرواتب والأجور وبعض المزايا الاجتماعية، يعكس بالضرورة التفاوت في الاقتصاد بين دول الاتحاد. وهذا أمر طبيعي. والحل الوحيد للقضاء على هذا التفاوت، أو حتى تقليل دائرته، ليس أقل من قيام الدول الثرية في الاتحاد، بالتخلي عن بعض مداخيلها لمصلحة اقتصادات الدول الفقيرة فيه. وأستطيع أن أجزم، بأن هذا الأمر لن يحدث، بعد الأزمة الاقتصادية العالمية. فهذه الأزمة، لم تنل من المداخيل الأوروبية فحسب، بل نالت من التسامح الأوروبي نفسه، وأحيت مشاعر الوطنية ـــ المحلية الضيقة. لقد أوجدت ''قومية اقتصادية'' متطرفة، تحتاج إلى عقود من الزمن لكي تزول عن الساحة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي