رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القيادات الإدارية المحلية المتميزة واختيارها لإدارة الأجهزة الوطنية

هناك توجه حميد للدولة في التخفيف من المركزية بإنشاء مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية حتى إن كانت تلك المجالس في وضعها الراهن لم تبلغ بعد حالة النضج الإداري وعاجزة عن القيام بالأدوار الحقيقية المطلوبة بشكل كامل بسبب ضيق الصلاحيات الإدارية والمالية، لكن تبقى بلا شك نواة مهمة لتطوير العمل المحلي، وركيزة أساسية لانطلاقته والاعتراف بأهميته، وهي بذات الوقت تؤكد التمييز بين المستويات الإدارية الوطنية والإقليمية والمحلية، وإدراكا في أن لكل مستوى مسؤولياته وأدواره الخاصة به، التي تنسجم مع نطاقه الجغرافي وقضاياه. إن التحول إلى اللامركزية ليس بالأمر السهل فهو يتطلب إعادة التثقيف وتغييرا يتعدى الشكل الإداري الظاهري إلى تغيير جوهري في النهج الإداري والفلسفة والثقافة الإدارية السائدة التي تسيطر عليها فكرة أن الأجهزة المركزية أدرى وأعلم وأكثر حرصا على مصالح السكان المحليين من الإدارات المحلية! لذا كان من الضروري لتفعيل هذا التحول تحقيق أمرين مهمين. الأول إصدار نظام خاص بالإدارة المحلية يحدد الأدوار والصلاحيات لمجالس محلية منتخبة لإدارة المحافظات داخل نطاقها الجغرافي والموثق رسميا، وتحديد طبيعة العلاقة مع مجلس المنطقة، الأمر الآخر لا بد أن يتم تعيين قيادات إدارية تنفيذية في الأجهزة المركزية تولت مناصب إدارية محلية على دراية وخبرة في الشأن المحلي، فهي الأكثر حماسا واندفاعا نحو تحقيق اللامركزية، وتنفيذ رؤية الدولة في تعزيز القدرات المحلية.
ليس صحيحا أنه من أجل تحقيق اللامركزية أن نتخلى عن المركزية، فالمسألة لا تتعدى كونها موازنة بين الطرفين، موازنة تحقق القدر الكافي من اللامركزية لتقديم الخدمات العامة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية بفاعلية وكفاءة، وفي ذات الوقت تكون منسجمة مع احتياجات وتطلعات المواطنين في المحافظات والمناطق. ولذا ليس هناك مبرر للتخوف والشك والريبة من التوجة نحو اللامركزية أو التخفيف من المركزية، والاعتقاد أنها تقلل من القدرة على التحكم والسيطرة والتوجية، بل على العكس تماما، فإن تفويص الصلاحيات، ومنح سلطات أكبر للإدارات المحلية يضيق نطاق الإشراف، فبدلا من أن تكون السلطة المركزية مسؤولة عن متابعة ومراقبة عدد كبير من الإدارات والأنشطة، وتحمل مسؤولية تحقيق مصالح المجتمعات المحلية، ومعالجة مشاكلها يمكن تفويض ذلك للمجالس المحلية بأعدادها القليلة يناط بها مسؤولية إدارة المجتمعات المحلية. لكن في حقيقة الأمر أن المسؤولين في الأجهزة الحكومية المركزية يتشبثون بسلطات وعملية صنع القرار وهو السبب الرئيس وراء عدم تفويضهم للصلاحيات اللازمة للمسؤولين المحليين للقيام بما يجب عليهم القيام به في مواجهة المشاكل الراهنة والتحديات المستقبلية. وفي ظل سيطرة التنظيم البيروقراطي على عملية صنع القرار دون أن يكون هناك رقابة اجتماعية عبر مجالس نيابية منتخبة يستحوذ البيروقراطيون على كامل الصلاحيات ليس فقط فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، ولكن حتى سلطة التشريع. هكذا يستمتع البيروقراطيون في الأجهزة المركزية بوضع مريح خال من الضغوط والمساءلة، يكون فيه التقييم منصبا على تطبيق الإجراءات الروتينية دون النظر للنتائج النهائية والتأثير الاقتصادي والاجتماعي وما يضيفونه للمجتمع.
من الخطأ الاعتقاد أن اللامركزية تقتصر على التفويض داخل كل جهاز حكومي ومنح صلاحيات أكبر للمسؤولين في فروع الوزارات في المحافظات والمناطق، وإنما اللامركزية الحقيقية هو منح مجالس المناطق والمجالس المحلية كمجالس نيابية فرصة أكبر في إدارة مناطقها ومحافظاتها برؤية محلية واعتمادا على توجهات الرأي العام المحلي. هكذا يكون بناء المجتمعات المحلية وجعلها أكثر نضجا وتحملا لمسؤولياتها وتحقيق مصالحها. فالمجتمعات المحلية جذور التنمية الوطنية وكيف تكون التنمية. لا يمكن الاستمرار في جعل المجتمعات المحلية جامدة وخاملة غير مفعلة لا حول لها ولا قوة، تعتمد اعتمادا كليا على الأجهزة المركزية، فإن أعطوا رضوا، وإن منعوا سخطوا. لقد حان الوقت إن لم يكن متأخرا في تفعيل المجتمعات المحلية، ومنحها فرصة كاملة في المساهمة في تحريك الموارد المحلية وأخذ زمام المبادأة في التنمية المحلية، ووضع تصورات ورؤى اقتصادية مستقبلية تكون جسرا تعبر فوقه نحو أوضاع أفضل من صنعها وبإرادتها. لن تستطيع الأجهزة المركزية مهما أوتيت من موارد أن تلبي احتياجات المجتمعات المحلية المتزايدة، كما ونوعا وتعقيدا.
هناك الكثير من المتغيرات السكانية والحضرية والتقنية التي تتطلب نهجا إداريا جديدا يعتمد أسلوب اللامركزية ينظر للمجتمعات المحلية نظرة إيجابية في أنها قادرة على تحمل مسؤولياتها، وبالتالي تزيح الحمل الثقيل الذي تأن منه الأجهزة المركزية، ويجعلها مثقلة لا تقوى على الأداء بكفاءة. المسألة لا تتعلق بحجم الإنفاق الحكومي، وهو بلا شك إنفاق سخي، ولكن بأولويات المجتمعات المحلية، فلا يكفي إقامة مشروع أو تقديم خدمة، ولكن لا بد أن تكون هذه المشروعات والخدمات منسجمة مع متطلبات المجتمعات المحلية ليس الآنية الحالية، وفي جانب الاستهلاك فقط، وإنما التنمية الاقتصادية المستدامة التي توفر وظائف، وتسهم في تكبير الكعكة الاقتصادية المحلية، وبما يعود بالنفع على جميع أفراد المجتمع المحلي. المجتمعات المحلية تعاني كثيرا من المشاكل والقضايا التي لا تستطيع الأجهزة المركزية إدراكها، فضلا عن التعامل معها، وكيف لها ذلك، وهي مسؤولة عن القضايا والاستراتيجيات الوطنية والخطط المستقبلية. المجتمعات المحلية هي الأغلبية الصامته لكن لا يعني صمتها أنها لا تعاني، هو فقط لا توجد طريقة للتعبير عن همومها وتطلعاتها. من الضروري التعرف على ما يدور في هذه المجتمعات، ووضع نظام للإدارة المحلية يحقق إدارة الشأن المحلي بفاعلية وكفاءة.
كل ذلك يحتم الإسراع في تطوير الإدارة المحلية وتحقيق اللامركزية عبر اختيار قيادات محلية أثبتت نجاحها في العمل البلدي لتولي مهمة قيادة هذا المشروع الوطني. ويبرز من بين أولئك القياديين المحليين سمو الدكتور عبد العزيز بن عياف أمين منطقة الرياض فهو يجمع بين الخبرة العملية والتجربة الثرية في العمل البلدي والتخصص العلمي والتميز الأكاديمي في مجال التخطيط الحضري وإدارة المدن، إضافة إلى أنه يملك رؤية واضحة وعقلية مستنيرة، وحماسا كبيرا في تطبيق اللامركزية عبر مراحل تطويرية، ولذا لم يكن مستغربا أن يكون هو وراء إنشاء مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية، المركز الفريد المتخصص في الإدارة المحلية على مستوى المنطقة، ليكون دعامة نحو تطوير القدرات المحلية وإعدادها لتولي مسؤوليات ومهام أكبر في المستقبل. وتبقى تجربته في العمل تحت قيادة رائد الإدارة المحلية الأمير سلمان بن عبد العزيز سر تميزه ونجاحه وبروزه عن الآخرين. الحديث هنا ليس شخصيا أو عاطفيا، وإنما يأتي في سياق اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب لتحقيق المصالح العليا للوطن. القياديون المتميزون بنجاحاتهم وأفكارهم التجديدية موارد وطنية يلزم الاستفادة منها في وضع الاستراتيجيات والتوجهات المستقبلية، وتحقيق المشاريع الوطنية ذات الأولوية، ولا شك أن تطوير الإدارة المحلية يأتي في مقدمتها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي