مشكلة البطالة.. التواصل بين مؤسسات التعليم وسوق العمل
تعد البطالة واحدة من المشكلات الاقتصادية المعقدة، والمؤثرة، والتي تعكس واقع الاقتصاد لبلدان العالم، فمؤشر الوظائف وانخفاض مستوى البطالة، مؤشر مهم له دور في تحسن الأسواق وإعطاء مؤشرات إيجابية للاقتصاد، ولذلك تجد أن مؤشر الوظائف في الولايات المتحدة يؤثر بشكل مباشر في السوق الأمريكية، وبشكل غير مباشر في الأسواق الأخرى، فهو يعكس تحسنا في الوضع الاقتصادي العام في العالم.
معادلة البطالة تختلف من دول إلى أخرى، ففي الوقت الذي يقل فيه مستوى البطالة في الدول الصناعية، بسبب توافر الوظائف المناسبة للأفراد، خصوصا ممن لديهم مؤهلات، وعندما يكون المؤهل أعلى، تكون فرص الحصول على وظائف جيدة أفضل. في حين أن هناك دولا أخرى تصنف بأنها فقيرة، تجد أن فرص الوظائف فيها محدودة حتى بالنسبة للكوادر المؤهلة.
هاتان المعادلتان شائعتان في دول العالم، ولكن بالنسبة لدول الخليج، خصوصا المملكة، فالمعادلة مختلفة، ففي الوقت الذي تتمتع فيه هذه الاقتصاديات بالقوة والمتانة التي تتمتع بها كثير من الدول الصناعية، تجد أنها ما زالت تعتبر دولا ناشئة لم تصل إلى مستوى الدول الصناعية، فتجد أن فرص الوظائف موجودة، ولكن يوجد في هذه البلدان بطالة، وتتمتع دول الخليج بنسبة عالية من الشباب، لكن يوجد فيها الملايين من القوى العاملة الوافدة يعملون في وظائف لا تصنف بأنها من الوظائف التي تتطلب كفاءة عالية. وفي الوقت الذي تسعى فيه لإحلال المواطن بدل الوافد، نجد أنها تسعى أيضا إلى توفير بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ولذلك تجد مثلا أنه في الوقت الذي تسعى فيه وزارة العمل إلى سعودة الكثير من الوظائف والأعمال، نجد أن الهيئة العامة للاستثمار تسعى إلى توفير بيئة جذب للاستثمار الأجنبي والتي تتطلب توفير مجموعة من التسهيلات للمستثمرين، جزء منها الاستقدام، والذي يؤدي على المدى القصير إلى أن يكون هناك فرصة أكبر لقدوم قوى عاملة إضافية إلى السوق، وإن كان على المستوى البعيد، سيؤدي إلى توطين التقنية، وخلق فرص عمل.
الحقيقة أن هذه العوامل تجعل المعادلة فيها شيء من الصعوبة نوعا ما، ولذلك تجد من يتساءل كيف لدول غنية مثل دول الخليج يوجد فيها بطالة، وسوق العمل يستوعب قوى عاملة من مختلف دول العالم، وفي علمي القاصر لا أتذكر أني التقيت وافدا فوجدته عاطلا عن العمل - إلا في حالة واحدة تقريبا وهي الشحاتة - بل تجد من يجد فرص عمل لأبنائه وزوجته أثناء إقامته، وتجد أيضا من يتمنى أن يصل إلى هذه الأرض حتى لو كلفه الأمر أن يدفع لكافله مبلغا شهريا مقابل هذه الكفالة، بدلا من أن يحصل منه على راتب.
هذا الوضع لا شك أنه يحتاج إلى دراسة استراتيجية شاملة تطرح رؤى وحلولا لتجاوز هذه المشكلة. ولعل هناك جزء مهم في هذه المعادلة، هو مؤسسات التعليم، بدءا من مؤسسات التدريب للدورات القصيرة، وصولا إلى التعليم العام والفني والتقني والجامعات، حيث إنه في المحصلة النهائية سوق العمل سيحتضن جزءا كبيرا من هذه المخرجات ويستفيد منها.
ولذلك من المهم أن يكون هناك شراكة استراتيجية بين مؤسسات التعليم وسوق العمل، يقوم من خلالها سوق العمل، سواء في القطاع العام أو الخاص، بطرح المعارف والمهارات الرئيسة التي تسهم في كفاءة العامل، وأن يكون لدى هذه المؤسسات رؤية استراتيجية لمستقبلها واحتياجاتها المستقبلية من الكفاءات، وأن يتم جمع هذه الرؤى لتعطي تصورا شاملا مبنيا على خطط التنمية في المملكة. وهذا التصور لا بد أن يكون واضحا لجميع منسوبي التربية والتعليم، بدءا من المعلم في الفصل إلى كبار المسؤولين في تلك المؤسسات.
هناك تجارب رائدة في المملكة نجد أن فيها تجاوبا حقيقيا بين مؤسسات التعليم وسوق العمل، لعل من أبرزها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، فبطبيعة عملي وهو التدريس في الجامعة، الحظ بشكل واضح أثر في التواصل بين الجامعة والقطاع الخاص، حيث إنها تعتبر من الجهات التي تحظى بثقة عالية في سوق العمل، ويذكر مدير الجامعة أنه في اختبارات قامت بها شركة أرامكو السعودية كانت نتائجها أن مخرجات الجامعة تفوقت بفارق كبير عن مخرجات جامعات محلية وعالمية. ولعل من جزء رئيس من أسباب هذا التفوق هو التواصل الفاعل بينها وبين سوق العمل. وتجربة الجامعة تعطي مؤشرا على أن تأهيل الطالب بناء على احتياج سوق العمل هو جزء من الحلقة المفقودة التي تضعف تنافسيته في مقابل القوى العاملة الأجنبية، وبالتالي قد تكون سببا في البطالة.
وبطبيعة الحال فإننا لو نظرنا إلى الهدف الأهم من التعليم هو زيادة المعرفة والوعي وانعكاس ذلك على سلوك الأفراد، والتفاعل بشكل إيجابي في المجتمع بالوعي بالحقوق والواجبات والمسؤوليات، أما بالنسبة للهدف الواقعي للفرد ستجد أن هناك أمرا مهما يسعى إليه المواطن، وهو الحصول على المعرفة والمهارات التي تزيد من كفاءته وتنافسيته في سوق العمل، ولذلك تجد بشكل بارز أن الكثير من الطلبة يسأل دائما ويسعى إلى الدراسة في التخصصات التي ستوفر له وظيفة بعد التخرج، ولذلك ليس من المستغرب أن تجد مجموعة من طلاب السنة الأولى ببعض الجامعات يحضر الأيام المفتوحة للتوظيف بغرض سؤال الشركات عن أكثر التخصصات التي يحتاج إليها سوق العمل مستقبلا.
والمتصور أنه ليس هناك تناقض بين تحقيق الهدف العام للتعليم، وبين الإيفاء برغبة المواطن وسوق العمل، ويكون ذلك بجعل سوق العمل الحكومي والخاص شريكا في العملية التعليمية حتى لو وصلت هذه المشاركة إلى أن تكون جزءا من المناهج. ومن المهم التقييم المستمر للتعليم وجعل سوق العمل جزءا من مؤشرات الأداء للمؤسسات التعليمية.
في ختام المقال لا أنسى الإشادة بالمطبوعة الدورية التي تصدرها صحيفة ''الاقتصادية''، إذ إنها مبادرة متميزة للإسهام في حل مشكلة البطالة.