رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اليابان أول مستخدمي سياسات التيسير الكمي

أعلنت لجنة السوق المفتوحة التابعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2010م البدء في عمليات التيسير الكمي الثانية Quantitative Easing 2 QE2، والتي ستضخ هذه اللجنة بموجبها مبلغ 600 مليار دولار على مدار ثمانية أشهر لشراء السندات الحكومية. وقد أثار هذا الإعلان ضجة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وسياسات التيسير الكمي ليست اختراعا أمريكيا كما يتصوره البعض بل هي اختراع ياباني جاء في بداية القرن الحالي، كما أن تسمية هذه السياسات جاءت من قبل اليابانيين. وشرعت اليابان في استخدام هذه السياسات بعد ما كانت تعاني من الظروف نفسها التي قادت إلى الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وذلك بعد انفجار فقاعة الأصول اليابانية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. وقبل هذه الفقاعة كان ينظر إلى اليابان كمثال يحتذى به في مجالات التنمية والنمو المستدام، والذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية. وحققت اليابان نمواً اقتصادياً وتقنياً قوياً بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بلغت معدلات النمو الاقتصادي السنوي أوجها في الستينيات من القرن الـعشرين حين وصلت إلى 10 في المائة، ثم تراجعت هذه المعدلات إلى نحو 5 و4 في المائة في العقدين التاليين. ونتيجةً لهذا النمو القوي نمت أسعار الأصول من أسهم وعقارات بقوة. وتضخمت أسعار الأصول وخصوصاً العقارات في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ووصل سعر المتر المربع في حي الأعمال في طوكيو إلى مليون دولار أمريكي، كما وصلت أسعار الشقق السكنية في طوكيو إلى ملايين الدولارات. وقد قاد تضخم أسعار الأصول واستخدام هذه الأصول كضمان للائتمان المصرفي إلى تضخم كبير في مخاطر الائتمان. وعندما انفجرت فقاعة الأسهم والعقارات في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، تراجعت أسعارها بقوة مما تسبب في تعريض النظام المصرفي الياباني إلى مخاطر هائلة، وقاد إلى تراجع النمو الاقتصادي إلى نحو 1 في المائة خلال التسعينيات. ولم يتوقف تأثير هذه الأزمة على تراجع النمو الاقتصادي فقد بدأ تسجيل معدلات تضخم سلبية.
وقد دفع التخوف من ظهور ما يسمى بحلزون أو لولب تراجع الأسعار إلى قيام مصرف اليابان المركزي إلى المخاطرة باتخاذ سياسات غير عادية للحيلولة دون حدوث هذا التراجع. وقد يستغرب البعض الخوف من تراجع الأسعار ويرون أن هذا شيء إيجابي وخصوصاً للمستهلكين، ولكن تراجع الأسعار يقود إلى توقع المستهلكين والمستثمرين لتراجع الأسعار مستقبلاً مما يؤدي إلى تأجيل المستهلكين والمستثمرين لقرارات الشراء ويقود إلى مزيد من التراجع الاقتصادي, وهذا سيؤدي إلى استمرار تراجع الأسعار واستمرار تأخير قرارات الشراء لفترات طويلة مما يتسبب في استمرار تراجع الاستهلاك والاستثمار والأرباح وجمود الأجور وارتفاع معدلات البطالة ودخول الاقتصاد في مراحل ركود عميقة أو حتى كساد اقتصادي. ويتطلب الخروج من حالة كساد الأسعار توقف الاعتقاد العام بتراجع الأسعار.
ومنذ بداية الأزمة المالية اليابانية في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بذل مصرف اليابان المركزي جهود مضنية للنهوض بالنمو الاقتصادي، حيث خفض أسعار الخصم على الإقراض للمصارف التجارية منذ بداية الأزمة الاقتصادية حتى وصلت إلى تقريباً الصفر في شباط (فبراير) عام 2001. ولكن لم تنجح هذه السياسة في الخروج من دائرة التباطؤ الاقتصادي المستمر منذ عدة سنوات, وبدا وكأن السياسات النقدية وصلت مرحلة مصيدة السيولة، حيث لا تفيد السياسات النقدية. ونتيجةً لذلك تبنت اليابان ما أسمته بسياسات التيسير الكمي في آذار (مارس) من عام 2001. وتم بموجب هذه السياسات استهداف مستويات الحسابات الجارية للمصارف التجارية بدلاً من معدلات الخصم الأساسية. ومنذ البداية رفع مصرف اليابان المركزي حجم الحسابات الجارية لديه والتي تخص المصارف التجارية عدة مرات. وتجاوزت السقوف المستهدفة لحسابات المصارف التجارية لدى مصرف اليابان المركزي متطلبات الإيداع بكميات كبيرة، وبهذا تمكن المصرف المركزي من مضاعفة القاعدة النقدية أملاً في رفع حجم الائتمان وسعياً لدفع النشاط الاقتصادي.
ومع ضخامة الاقتصاد الياباني وحالة الركود الاقتصادي الطويلة التي مر بها إلا أن هذه السياسات لم تثر الضجة التي أثارها تبني مجلس الاحتياطي الفيدرالي لهذه السياسات في الولايات المتحدة. ويرجع هذا إلى ضخامة الاقتصاد الأمريكي وارتباطه بدرجة أكبر مع جميع اقتصاديات العالم وتأثر هذه الاقتصاديات بسياسات مجلس الاتحاد الفيدرالي الأمريكي الذي يحدد بصورة مباشرة معدلات الفائدة في جميع الدول التي تربط عملتها بالدولار الأمريكي سواءً أرادت أم أبت. كما تؤثر السياسات النقدية الأمريكية بقوة في السياسات النقدية في جميع دول العالم بطريقة أو بأخرى. ويرجع تأثر العالم بسياسات مجلس الاتحاد الفيدرالي الأمريكي إلى كون الدولار الأمريكي يقوم بدور العملة العالمية وهو متداول على نطاق واسع، كما أنه يمثل جزءًا كبيراً من الاحتياطيات الأجنبية لدول العالم، بينما تمنع اليابان تدويل عملتها. كما يرجع الاهتمام الكبير بالخطوة الأمريكية إلى عمق أسواق رأس المال في الولايات المتحدة وانفتاحها على العالم وضخامة المصارف الأمريكية وتأثر أسواق المال العالمية بدرجة أكبر بما يجري في الولايات المتحدة. كما قد تعود قلة الاكتراث بالتجربة اليابانية في ذلك الوقت إلى كونها جديدة وأنها كانت تعاني وحدها من تلك الأزمة، بينما كان النمو الاقتصادي يسجل معدلات جيدةً في باقي دول العالم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي