كل سعودي يريد أن يصبح مقاولا
النشاط الاقتصادي الأهم في السنوات القليلة الماضية يتم في قطاع المقاولات. تسعى المملكة جاهدة لتعويض ما فات في عقد التسعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي، وهذا مطلب مفهوم وضروري أحياناً. ولكن إحدى الظواهر المهمة في هذا الاندفاع الكبير هي فشلنا المزمن في تحديد الفروقات بين التوسع بحكم توافر المال وحاجتنا الاقتصادية في حدود قدرة الاقتصاد الاستيعابية والتكلفة الثابتة في المستقبل. أحد إفرازات هذه الظاهرة أن الكل أصبح يريد أن يكون مقاولاً في ظل الفرص المواتية للجري وراء العقد الأول والمراهنة على قوة الدفع الذاتية في ''نظام'' التستر. اقتصاديا تصبح ''سعوديا'' حينما تحصل على التأشيرة للدخول في هذا المضمار.
أتت في بالي هذه الملاحظات وأنا أشاهد إحدى حلقات برنامج داود الشريان ''حول الصحافة'' حينما استضاف عددا من النساء المهتمات بالمقاولات. المطلب الرئيس لهؤلاء هو السماح بالاستقدام لتلبية الطلب. يصعب تحديد مهارات هؤلاء النسوة في قطاع المقاولات مثل ما يصعب تحديد أمثالهن من الرجال ولذلك أتى مطلبهن الأساسي في العدالة في استقدام أكبر عدد للمراهنة على أكبر عقد. اقتصاديات مقاولين من هذا النوع، وهم الأغلبية، تقوم على نموذج واحد يمكن اختصاره في كلمة واحدة هي: التستر. هذا النموذج يقوم على أن السعودي يقوم بدور التسويق والمحاماة (متابعة الشؤون النظامية) ثم إحالة كل الأعمال إلى فريق لا يعرف عنه شيئا عدا الاتفاق مع رئيس الفريق على نسبة من الغلة. تتعدد الأشكال بين شراكة أو إدارة ولكن الجوهر واحد. ثم تبدأ هذه الغلة في تناقص بحكم تزايد الثقة عند الشريك غير السعودي. ثم يبدأ السعودي في دفاع مستميت بلوم الحكومة في كل شيء من الاستقدام إلى عدم دعمها المقاول الوطني إلى مقارنة زائفة بدول أخرى.
هذا النموذج ينتهي بسلسلة تناقضات تبدأ بتباعد المصلحة بين اقتصاد البلاد وبين المصلحة الضيقة لأغلب من يدّعي أنه مقاول. أحد إفرازات هذا التناقض أنه لا يمكن أن تكون هناك فرصة للسعودي كي يكون كهربائيا أو دهانا وحتى مقاولا يعتد به. كذلك هناك سباق محموم إلى الأسفل في الجودة حيث يضطر المقاول ''الفعلي'' الأجنبي إلى الحصول على أي عمل بأي سعر وبأي جودة، وبالتالي نخسر جميعاً لأنه لم يستثمر أي مال، (ليس هناك استثمار أجنبي) وليس هناك معايير مقننة للبناء code، بل إن هناك ضغطا خفيا أزعم أن له دورا في تحقيق عجز في الميزانية بسبب تدافع المصالح في قطاع المقاولات تحت مسميات كثيرة دون القدرة على الحد أو حتى معرفة محدودية هذا النموذج ونهايته المنطقية.
هيكل سوق المقاولات غير صحي في عمقه، فهو يعايش احتكارا في أعلى الهرم، حيث نتائج الاحتكار عادة ما تكون أسعارا عالية وتنازلا تدريجيا في الكفاءة وحتى فسادا. في عدا هذا الاحتكار فإن السوق يعيش شرذمة وحالة من التنافس غير الصحي. فنحن نقبل بالاحتكار للبعض والمنافسة غير الصحية للبقية، ثم ''نطالب'' أن يكون هناك قطاع مقاولات صحي. هذه الهيكلة لا يمكن أن تسمح ببناء قطاع صحي ناهيك عن سعودة فاعلة.
ما الحل؟
ليس لديّ معادلة سحرية ولكن القبول بالمتناقضات على أمل أنها حل ما هو إلا ضرب من الخيال. ولكن هناك خطوطا حمراء يجب ألا نتجاوزها. فليس هناك مكان للاحتكار، وليس هناك مكان للمنافسة غير الشريفة، وليس هناك مكان لمحاربة السعودة، وليس هناك مكان للتضحية بالجودة، وليس هناك مكان لفتح الاستقدام ثم استقدام ناس لخدمة الاستقدام، وهناك حاجة ماسة إلى معايير ونوايا صادقة وسياسات لتطبيقها.