شوفيت وعوفيت .. يا أبونا وحامي حمانا

حينما أعلن الديوان الملكي خبر اعتلال فقرة من فقرات العمود الفقري لخادم الحرمين الشريفين.. أصيب الناس بالهلع واتجهوا إلى الله العلي القدير - فرادى وجماعات - يتضرعون أن يبرأ مليكنا من العارض الصحي وأن يمتعه بالصحة ويمد في عمره ويكلأه بعين رعايته وعنايته.
والحقيقة أنه منذ أن بويع الملك عبد الله بن عبد العزيز ملكا شرعيا على البلاد اتجه إلى الناس يتحسس مشاكلهم ويعالج قضاياهم ويرعى شؤونهم ويعمل على تلبية حاجاتهم؛ حتى استطاع أن َيسْكُنَ قلوبهم ويتربع فيها، وهكذا كان الملك عبد الله خير خلف لخير الأسلاف من ملوك هذه المملكة الفتية التي أسسها ورفع صروحها وراياتها القائد العربي الكبير الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه.
وإذا استعرضنا بكل تجرد المزيد مما قدمه الملك عبد الله خدمة للإسلام والمسلمين.. نجد أن اسمه يأتي في المقدمة على كل المسلمين الذين خدموا الإسلام والمسلمين في عصرنا الحديث، بل نستطيع القول إن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله نقش اسمه جنبا إلى جنب مع القادة العظماء الذين أضافوا إلى عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف سعة وصروحا، ووضع اسمه مع الذين بنوا للإنسانية صروحا حضارية تظل تذكر لهم على مدى التاريخ والأزمان.
وفى نيسان (أبريل) الماضي رعى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز المؤتمر العالمي الذي دعت إليه رابطة العالم الإسلامي وأقامته في مكة المكرمة؛ بهدف إقرار مشروع حوار الحضارات، ثم تأهيل المشروع لطرحه على الآخر؛ تمهيدا للتوصل إلى مجموعة من القواعد الهادفة إلى إخراج العالم من نفق الصدام .. إلى أنفاق الحوار والاستقرار والمصالحة والسلام.
ولقد كان من أبرز القرارات التي توصل إليها المشاركون في مؤتمر مكة المكرمة هو إنشاء مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي للتواصل بين الحضارات الذي يهدف إلى إشاعة ثقافة الحوار وتنمية مهاراته بين الكافة وفق أسس علمية مستنيرة، كما كان من أهم القرارات التي توصل إليها المؤتمر إنشاء جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للحوار الحضاري ومنحها للشخصيات والهيئات العالمية التي تسهم بشكل فعال في تطوير الحوار بين الأديان والثقافات.
إن نظرية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله في الحكم تقوم فروضها على ضرورة أن يسعى الإنسان إلى عمار الأرض وفق مشيئة الخالق الذي أناط بأبينا آدم وذريته عمارتها وإصلاحها، وأمر بالتعاون في إصلاح الواقع الكوني الذي عمّه الفساد والشقاء، وجعله واقعا تشمله رحمة الله التي هي جوهر ما أرسل به نبينا محمد عليه وعلى أنبياء الله الصلاة والسلام، كما ينطلق الملك عبد الله في نظرية الحكم من مشروعية الاختلاف بين البشر وضرورة الحوار للوصول إلى كلمة سواء، لأن حاجة الشعوب إلى الحوار مستمرة ولن تنقطع، وحاجتنا إليه مع الآخرين لا تقل عن حاجتهم إليه معنا، وإن الحوار بالنسبة للأمة المسلمة هو امتثال للأمر الإلهي (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)؛ ولذلك تقدم الملك عبد الله إلى العالم بمشروع حضاري سينهي حقبة خاطئة في زمن لم تكن حساباته دقيقة.
ولذلك في عهد الملك عبد الله قامت المملكة العربية السعودية بمبادرات عديدة لترسيخ مبادئ التعايش السلمي وإشاعة لغة الحوار واستبعاد الصدام جملة وتفصيلا، ونجحت المملكة في جهودها الرامية إلى تثبيت نوازع الخير في الإنسان، بيد أن الحملات الغربية ضد الإسلام كانت شرسة وقوية ومستمرة ومنتشرة في كل أنحاء العالم.
نعم، إزاء الأضرار التي لحقت بالإسلام والمسلمين نتيجة الحملات التي يشنها الغرب على الإسلام والمسلمين.. تبنى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مشروع الحوار بين الحضارات والثقافات، وقام - يحفظه الله - بزيارة تاريخية للفاتيكان والتقى البابا ونبهه إلى أن الصدام بين الأديان لم يكن واردا لا في الدين الإسلامي ولا في الدين المسيحي، وأكد بأن الدين الإسلامي هو دين السلام والتسامح والحوار، وإنه يطرح مشروعا للحوار بين الأديان والثقافات هدفه تغليب العقل على التطرف، والسلام على الصدام.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد الله تتجه إلى بناء الاقتصاد الوطني على مبادئ اقتصاد المعرفة؛ لأنه الحل الحتمي للخروج من الصيغ المعلبة إلى مجالات الاقتصاد الرقمي الواسع الأرجاء، وتدفع حكومة خادم الحرمين الشريفين المجتمع السعودي إلى هذا الاتجاه، ويقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله شخصيا خلف هذا المشروع الذي أسس من أجله مدينة الملك عبد الله بن عبد العزيز الاقتصادية في ثول، ثم أسس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لتكون أكبر جامعة في هذا المجال في منطقة الشرق الأوسط.
إن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية هي القاعدة التي سينطلق منها اقتصاد المعرفة لينتفع بها كل أبناء الأمة في كل مجالات الحياة السعودية، كما أن جامعة الملك عبد الله ستكون منارة تشع على كل الجامعات السعودية وتأخذ بيدها لتعميم التطور الرقمي في جميع مجالات العلوم والتقنية، ووسط هذه الإنجازات التي يحققها الملك عبد الله من خلال اقتصاد المعرفة ترتفع أعمدة مكتبة جامعة الملك عبد الله بشراكة أعلى مؤسستين ثقافيتين في العالم وهما اليونسكو والكونجرس.
أمّا مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية فقد استلهمت من سياسة المليك المفدى مجموعة مشاريعها التكنولوجية العملاقة، حيث كشفت النقاب أخيرا عن مشروع سعودي عملاق بتعاون ألماني يستهدف تصنيع طائرة هيلوكوبتر للاستخدامات المدنية، ويبدأ إنتاجها في غضون ثلاث سنوات من خلال تقنيات النانو، وذهبت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية إلى أبعد من ذلك، حيث وقّعت مجموعة من الاتفاقيات مع مؤسسات علمية وشركات ألمانية يتم بموجبها تحقيق التعاون التقني والتصنيع المشترك للمروحيات والسيارات والمركبات الدقيقة والحساسة التي تعمل عبر الحاسبات الآلية.
وفى هذا الاتجاه شهدت الساحة الرقمية في المملكة في العام الحالي عددا من المؤتمرات التي تعزز من ثقافة المجتمع الرقمي، فنظم معهد الملك عبد الله لتقنية النانو، وهو أحد المشاريع العصرية التي خرجت من الفكر الجديد في جامعة الملك سعود، مؤتمرا بعنوان المؤتمر العالمي لصناعات تقنية النانو، وباختصار شديد فإن مصطلح النانو هو مصطلح قياسي قدره واحد على المليار من المتر، ينطلق من أن المواد لها خواص متفوقة على ذاتها كلما صغر حجم تصنيعها، وبالتالي يمكن الحصول منها على خواص خارقة كلما تناهى صغرها؛ ولذلك فإن النانو يهدف إلى التعامل مع المادة في أدق مقاييسها مما يفتح آفاق كثيفة وجديدة أمام التصنيع الناني الذي ستكون له الكلمة العليا في مستقبل الأمة.
بهذه الأعمال المجيدة التي قدمها الملك عبد الله للمواطن في داخل المملكة وللإنسان في كل أنحاء العالم.. استطاع الملك عبد الله أن يسكن قلوب الناس التي توجهت إلى العلي القدير ضارعة بأن يحميه ويعافيه ويعيده إلينا سالما معافى؛ ليواصل مسيرة البناء والخير والسلام للإنسانية جمعاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي