الكلمة العليا والكلمة السفلى وما بينهما
الكلمة لها مدلولات كثيرة في الكتب السماوية. ومن الأنبياء من كان كليم الله مثل موسى نبي اليهود، ومن الكتب ما يتخذ من الكلمة رمزا لله كالإنجيل لدى المسيحيين، بيد أن هذه الكلمة "الكلمة" تأخذ بعدا فكريا وثقافيا وعلميا وحضاريا في القرآن قلما وقفنا أمامه لسبر كنهه وإدراك مدلولاته، لا أريد الجزم، إلا أنني لم ألحظ من خلال قراءتي المستمرة دراسة محكمة للخطاب القرآني فيما يخص "الكلمة" وكيفية قراءتها وربطها بالحياة العصرية للعرب والمسلمين.
لو عدنا إلى الرسائل الماضية حول كيفية التعامل مع نصوصنا المقدسة لرأينا أنه علينا أن نميز بين النص والتفسير، وقلنا إن النص لا يتبدل تبديلا، أما التفسير فشأنه شأن البشر والدنيا والأزمنة والأمكنة التي أراد لها الله أن تكون متغيرة ومتبدلة. النص واحد والتفسير مختلف ومتعدد. الله- سبحانه وتعالى- خلقنا شتى ومتفرقين وموزعين على أصقاع تختلف في تضاريسها، وبيئتها، وطقسها، ونباتها، وحيوانها، وإنسانها أيضا. ولهذا نقبل بنص واحد رغم اختلافنا من حيث الزمان والمكان، ولكننا نختلف لا بل نتصارع، ونتقاتل، ونتحارب على تفسير النص، وكيفية ممارسته على أرض الواقع.
"الكلمة" كنص ترد 18 مرة في القرآن، وقراءتها تختلف من آية إلى أخرى، ولن يستوعب الحيز المخصص لهذا العمود تفسيرها جميعا. سآتي اليوم على كيفية قراءة ثلاثة مفاهيم بارزة لما يمكن أن تمنحنا إياه "الكلمة"، وسأمر عليها باختصار على أمل أن نتناولها بإسهاب في الرسائل المقبلة، وما سأقدمه يعد قراءة من خلال وجهة نظر باحث يهمه جدا شأن العرب والمسلمين، ويكن لهم ولقرآنهم، ولنبيهم كل الاحترام والتقدير والتبجيل. وما سأقدمه يعد أيضا قراءة واحدة قد يتفق أو يختلف القارئ معها.
لنبدأ من سورة التوبة: "وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم". إذا قربنا النص إلى زمننا ومكاننا، يفترض أن تكون كلمة العرب والمسلمين في عالم اليوم هي العليا، وكلمة أعدائهم أو غيرهم من البشر هي السفلى. ولكن عالم اليوم جرى تقسيمه، حسب مفهوم ثنائي مزدوج يتراوح بين الخير والشر من وجهة نظر غربية، وهذا المفهوم الثنائي الخطير يضع العرب والمسلمين في الخانة السلبية. بمعنى آخر صارت كلمة غيرهم هي العليا، وكلمتهم هي السفلى. فكل التعابير التي تدل على الشر "الكلمة السفلى" يستخدمها الغير لوصف العرب والمسلمين. خذ مثلا تعابير مثل: الإرهاب، والإرهابيون، والإسلاميون، والجهاديون، والانتحار، والانتحاريون، وهلم جرا، وكيف أنها أصبحت توصيفات جاهزة للعرب والمسلمين. والأنكى من كل هذا أنها أصبحت جزءا من الخطاب العربي، وما يزيد الطين بلة بدأ العرب والمسلمون أنفسهم اختراع توصيفات شريرة "الكلمة السفلى" لمخطابة بعضهم البعض. خذ مثلا: التكفيريون، المشعوذون، الروافض، وما شاكل ذلك.
وفي سورة إبراهيم دعوة صريحة لما يجب أن يكون عليه الخطاب، ولا سيما الذي يخص التخاطب بين العرب والمسلمين أنفسهم: "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء... ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار". الكلمة العليا والكلمة الطيبة يقابلها الكلمة السفلى والكلمة الخبيثة، وباستطاعة القارئ الموقر أن يراقب الخطاب الإعلامي العربي المرئي والمكتوب والإلكتروني، وكيف أن معظمه يستند إلى الكلمة الخبيثة المستعارة من الغرب أو المستنبطة من العرب والمسلمين أنفسهم.
والقرآن يدعو العرب والمسلمين إلى التحاور، والمناقشة، والتمحيص، والاختبار، والتفاهم مع أنفسهم أولا، ومع غيرهم ثانيا، أي لا يجوز أن نقبل الكلمة السفلى والخبيثة على علاتها، بل يجب علينا الدخول في نقاش عقلاني ومنطقي مع مطلقيها. بمعنى آخر علينا في أقل تقدير أن نطلب المساواة في الخطاب والتعابير، وهذا أضعف الإيمان، عندما يستخدم شخص كلمة "إرهابي" لوصفي لا يجوز أن أدخل هذه الكلمة في خطابي. علي قبل كل شيء محاورته، لأنه من الممكن أن تكون أعمال ذلك الشخص أكثر إرهابية من الأعمال التي ينسبها إلي.
ولنختتم رسالتنا في هذه الجمعة المباركة بسورة آل عمران والآية: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم". الخطاب العربي والإسلامي ينطلق من موقع الضعف في مخاطبته للآخرين الذين يستخدمون "كلمة خبيثة" لتوصيفهم ومخاطبتهم، والخطاب العربي والإسلامي ينطلق من موقع النكاية والتشفي "كلمة خبيثة" لدى مخاطبة العرب والمسلمين بعضهم البعض.
ما أحوجنا اليوم إلى خطاب مبدؤه وشعاره "كلمة سواء بيننا وبينكم".
وإلى اللقاء