العودة إلى معايير الذهب غير عملية
تحتفظ المصارف المركزية والمؤسسات الدولية بنحو 30 ألف طن من الذهب تمثل نحو 20 في المائة من ذهب العالم الموجود فوق الأرض، وبدأت عمليات استحواذ المصارف المركزية على الذهب منذ نهاية القرن الـ19. وكانت المصارف المركزية تتعهد بدفع مقدار معين من الذهب مقابل العملات الورقية التي تصدرها، وارتبطت كمية النقد المتداول بقيمة الذهب الذي تحتفظ به. وكثفت دول العالم من أنشطة جمع الذهب بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأدت الظروف الاقتصادية الخانقة التي كانت سائدة في الولايات المتحدة إلى خفض قيمة الدولار الأمريكي في عام 1933 من 20.67 دولار للأوقية الواحدة من الذهب إلى 35 دولارا للأوقية. وكان الهدف من وراء خفض الدولار الأمريكي دفع النشاط الاقتصادي الذي كان يئن من الكساد العظيم، وقد تسببت هذه الخطوة في بيع كثير من مواطني الولايات المتحدة ودول العالم لممتلكاتهم من الذهب إلى السلطات الرسمية في الولايات المتحدة، وبذلك ارتفعت احتياطات الذهب لدى سلطات الولايات المتحدة من نحو ستة آلاف طن إلى نحو 18 ألف طن في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد شهدت نهاية الحرب العالمية الثانية وضع أسس لنظام عالمي اقتصادي جديد، واعتمد فيه على الذهب كمرجع لسعر العملات العالمية، وثبتت دول العالم قيم عملاتها بأوزان معينة من الذهب أو بنسبة معينة من العملات المغطاة بالذهب وأهمها الدولار الأمريكي، واكتسب الدولار الأمريكي ثقة العالم مما أعطاه دفعة قوية، وجعله العملة الأقوى في العالم. وواصلت احتياطات الذهب التضخم لدى سلطات الولايات المتحدة حتى وصلت إلى أعلى مستوياتها في الستينيات عندما بلغت نحو 38 ألف طن، وكانت تمثل أكثر من نصف الذهب الموجود في العالم.
وعلى الرغم من وجود ضمان بتحويل العملات الورقية إلى ذهب لوحظ عدم استخدام هذا الضمان، وقد أدى هذا إلى الإخلال بشرط وجود غطاء من الذهب لكل العملات المصدرة، وبدأت تتناقص نسبة تغطية الذهب للنقد المتداول، ولكن بعض الدول بدأت تمارس هذا الحق من خلال المطالبة بتحويل الفوائض المالية إلى ذهب، ومن أشهر تلك المطالبات إصرار الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول على استبدال احتياطات فرنسا من الدولار بالذهب. وقد أدى فتح نافذة الذهب لدعم الدولار الأمريكي إلى تراجع احتياطات الولايات المتحدة من الذهب، وقد قاد هذا إلى إغلاق نافذة الذهب الأمريكية والتخلي كلياً عن التزام الولايات المتحدة بتحويل الدولار إلى ذهب في عام 1971. وبعد ذلك، ولدت فكرة تعويم العملات التي ما زالت مستمرة إلى الوقت الحالي، ومنذ ذلك الحين توقفت دول العالم عن استخدام الذهب كغطاء أو أساس لتسعير عملاتها الوطنية. وبدأت المصارف المركزية في الولايات المتحدة وبقية دول العالم في بيع احتياطاتها من الذهب بصورة تدريجية، وبعد ضغوط من الولايات المتحدة تعهدت دول العالم بموجب مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي بفك ارتباط عملاتها بمعايير الذهب في عام 1978، وبهذا ضعفت علاقات العملات بالذهب، وأصبح الذهب سلعة كباقي السلع ليس له ارتباط بالعملات.
ولم تنجح فكرة ربط العملات بالذهب بسبب التوسع الكبير في الاقتصاد العالمي والتضخم الذي بدأ يرتفع في عديد من دول العالم، فمع التوسع الاقتصادي الكبير خلال القرن الـ20، ارتفع حجم النقود المتداولة، التي لا يمكن تغطيتها بالذهب الموجود في العالم، خصوصاً عند معدلات الصرف المرتبطة بالذهب. وينادي البعض بالرجوع للذهب كغطاء وأساس لتسعير العملات، ولكن يصعب الرجوع إلى الذهب كغطاء وأساس لصرف العملات بسبب حجم السيولة العالمية الموجودة، التي لا يكفي ذهب العالم لتغطيتها. ومن المعروف أن حجم السيولة ليس مقصوراً على النقد المطبوع في العالم، كما يتصور البعض، ولكنه يشمل السيولة التي توجدها المصارف، التي هي أضعاف النقد المطبوع. ويبتدع النظام المصرفي بصورة عامة معظم السيولة في الأسواق، ومن المستحيل على هذا النظام توفير غطاء كامل من الذهب للسيولة التي يوجدها. فمع وجود أقل من 30 ألف طن من الذهب لدى المصارف المركزية، التي تقدر قيمتها السوقية الحالية بنحو 1.2 تريليون دولار، يتبين استحالة تغطية السيولة الموجودة في العالم بالذهب. فكل الذهب الموجود في المصارف المركزية العالمية والمؤسسات الدولية (حتى كل الذهب الموجود في العالم) لا يكفي لتغطية احتياجات السيولة في اقتصاد دولة واحدة من الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة أو الصين أو اليابان أو ألمانيا ناهيك عن اقتصادات العالم كلها. ومن مساوئ استخدام الذهب كأساس لتسعير العملات أنه يحد من قدرات الدول على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، وخصوصاً من قدراتها على استخدام السياسات النقدية. ويرى كثير من الاقتصاديين أن استخدام سعر الذهب كأساس لتسعير العملات يدعم الذهب، ولا يدعم العملات، حيث إنه يرفع الطلب على هذه السلعة بسبب الحاجة إلى إضافة المزيد منها لمقابلة طلب تحويل العملات إلى ذهب. وسيحد استخدام الذهب أيضاً من قدرات الدول على الاستيراد بعجوزات تجارية، حيث ستضطر إلى الوفاء بقيم عجوزاتها ذهباً، وهذا سيحد من التجارة العالمية، كما سيحد من النمو العالمي، وقد يعيد العالم إلى انكماش اقتصادي قوي. وسيدعم استخدام الذهب من اقتصادات الدول المنتجة للذهب، وستعاني الدول المستوردة للذهب من تكاليف الذهب الباهظة، بسبب الطلب العالمي المتزايد على هذه السلعة إذا ما تم اعتماده ثانيةً كغطاء للعملات. وهناك عديد من المساوئ الأخرى التي ستنتج عن استخدام الذهب كغطاء للعملات، التي يصعب حصرها في مقالة واحدة.