متى يستفيق العرب؟ محكمة الحريري نموذجا
كان العرب من أكثر الأمم سماعا للحديث واستيعابا له. وهذا ليس تزلفا من شخص يحسن لسانهم ومتشبع بحضارتهم. عندما أقول ذلك فإن دليلي هو شعرهم وسجعهم وحبهم ـــ رغم أمية أغلبيتهم ـــ سماع الأحاديث والقصص والأمثال قبل نزول الوحي. العرب كانت تقارن وتقارب كل ما تسمعه قبل أن تقرر. نعم كانوا في جاهلية مظلمة، إلا أن الخروج من هذه الجاهلية لم يحدث إلا بعد إدراكهم وتيقنهم أن الوحي الذي بدأ يتلى على مسامعهم له من الخصائص والقوة الكامنة والظاهرة ما كان يفتقده كل ما كانوا على اطلاع عليه من كتب وخطب وأشعار وحكم وأمثال.
والقارئ لشعرهم وأيامهم وسجعهم وخطبهم لا بد أن يلاحظ سعة الأفق والمقدرة الفائقة على تحليل الأمور من خلال المقارنة والمقاربة. فالعرب كانت تذكر الشيء بالشيء وكانت تقايض الأفكار، كما كانت تقايض بضاعتها في رحلاتها التجارية إن في الصيف أو في الشتاء. وإن قرأنا القرآن بتمعن لأخذنا العجب ليس من الإعجاز الأسلوبي واللغوي، لكن للطريقة التي يسرد الذكر فيها القصص والأمثال والحكم. إنه كتاب عظيم بما فيه من المقارنة والمقاربة وما لدى الآخرين.
الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ تحدث مع العرب من خلال رسولهم الكريم بلغة يفقهونها وبأسلوب وحبكة قريبة جدا من بيئتهم. ترك لهم حرية الاختيار، رغم أنه القادر على كل شيء. الوحي كان بلسانهم ومادته كانت قريبة إلى الطريقة التي كان العرب يشغلون بها عقولهم. وهكذا عندما وضع العرب الوحي في ميزان قوتهم العقلية التي كانت تمتاز بأفق واسع يستند إلى المقارنة والمقاربة والحكم والأمثال والقصص، رأوا أن ما لدى رسولهم يفوق كل ما كان موجودا لديهم من أفكار وأديان وحكم وعلم.
العرب آمنوا بالوحي من خلال العقل. العقل فقط له المقدرة على المقاربة والمقارنة واستخدام الحكمة والعلم لإعلاء شأن البشر. يخطئ من يقول إن العرب دخلوا الإسلام مكرهين. العرب قبلوا الإسلام لأنهم رأوا فيه خلاصهم. قبلوه أول ما قبلوه في عقولهم وصدورهم طوعا بعد أن أخذ الوحي بألبابهم.
إذاً، لم يقبل العرب الوحي إلا بعد اقتناع عقلهم به. ومالي أراهم اليوم وقد نسي أغلبيتهم استخدام العقل والمنطق والمقارنة والمقاربة قبل الأخذ بما يحيكه الغرب وإسرائيل لهم.
اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق عملية قذرة، ويجب تقديم مرتكبيها إلى العدالة. ولكن لا أفهم كيف يعتقد بعض العرب ولو للحظة واحدة أن المحكمة التي يديرها الغرب ستحقق العدالة. الغرب الذي يغض نظره عن كل الاغتيالات التي تقوم بها إسرائيل، الغرب الذي يغض النظر عن احتلال همجي لفلسطين وكيف أن إسرائيل ما زالت تطبق قوانين الانتداب (الاستعمار) البريطاني على ملايين الفلسطينيين ونحن في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ـــ هذا الغرب لن ينصف العرب ولن ينصف محبي رفيق الحريري ـــ وأنا واحد منهم.
كيف يتصور بعض العرب ولو للحظة واحدة أن الغرب الذي غزا العراق مستندا إلى الكذب والنفاق، الغرب الذي لم يُزل نظاما بل دمر شعبا من 30 مليون نسمة، سينصفهم! الغرب الذي لم يحاكم شخصا واحدا من إسرائيل رغم جرائمها المتكررة التي دانتها لجان تحقيقية شكلوها هم أنفسهم، والغرب الذي لا يكترث بما حل بالعراق على يديه وما جرى وما يجري للفلسطينيين على يديه، فلا يمكن لأي عاقل أن يقبل بأن هذا الغرب ومحكمته سيكون همهما إحقاق العدالة في قضية الحريري.
لماذا يرفض عرب اليوم إجراء مقارنات ومقاربات لأمور الدنيا كما فعل أجدادهم عند تحليلهم ودراستهم للوحي النازل من السماء.
أيها العرب، وأقولها جازما، محكمة الحريري لن تصل إلى أي نتيجة، إن لم توظف أولا وأخيرا في خدمة إسرائيل. وخدمة إسرائيل اليوم تتطلب تدمير لبنان، البلد العربي الوحيد الذي استطاع رغم ضعفه وصغره أن يصل إلى معادلة رعب نسبية مع الدولة اليهودية.
ما سيحدث من كوارث واقتتال داخلي ومآس، هذا لا شأن لهم به، ما دام أنه يخدم مصالح إسرائيل. كل ما يهم الغرب هو إسرائيل، وعداها فليذهب الجميع، ولا سيما العرب، إلى الجحيم.
متى يتنبه ويستفيق العرب!
وإلى اللقاء.