رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ورطة بحجم المشكلة التنموية

استمعت مع بعض الزملاء إلى حديث الشيخ عبد الله المنيع حول المالية الإسلامية واللجان الشرعية ودورها في المصارف والشركات المالية. تساؤلات الزملاء أثارت في ذهني عدة تساؤلات، ولعل المهم فيها هو ما لم يتحدث عنه الشيخ مباشرة هو: العلاقة بين الاقتصاد عضلي أو ناعم (الإسلامي) وقطاع الخدمات المالية أيا كانت طبيعتها. تنبع أهمية القطاع المالي من كونه يقوم بدورين أساسيين؛ فهو قناة الربط والتحريك بين الفعاليات والأعمال الاقتصادية، وهو المرآة التي تمكننا من قياس وتسعير الأعمال الاقتصادية. لذلك فإن التركيز على القطاع المالي مثل من يحاول رسم صورة من خلال النظر إلى المرآة المعلقة عالياً، هذا إذا افترضنا أن المرآة العاكسة دقيقة ونظيفة، ناهيك عن موقع الرسام من تلك المرآة. كذلك تدخل مهارته وأمانته الفكرية في نقل الصورة.
التركيز على قطاع الخدمات المالية بعيداً عن معرفة اقتصادية معمقة يدخلنا في إشكاليات فكرية على أكثر من مستوى. المشكلة الأولى هي ذلك الفصل الاصطناعي بين النشاطات الاقتصادية والقطاع (المالي)، الذي من المفترض أن يخدم الاقتصاد وليس بالعكس، بل إن جل حديث الشيخ عن الشكل وليس المضمون، فنحن نركز على القطاع المالي وكأنه المصدر، والعكس هو الصحيح.
المشكلة الثانية أن هاجس التقنين في المالية الإسلامية يدور حول فكرة واحدة هي الربا.. الذي بدوره لم يحدد عدا أنه الزيادة المالية، بينما الجوهر هو ذلك الإجحاف الواضح في استغلال الآخر من خلال نسب عالية يكون المقترض فيها دون أمل في التعافي مالياً. وهذا لا يتناسب مع القيم السامية في ديننا الحنيف؛ ولذلك ورد تحريم الربا. ما لم يرد في أدبيات الحديث عن الربا اليوم هو نمط العلاقة بين المقترض والمقرض، خاصة أن المستفيد هو الفرد والمجتمع من المصارف في عمارة الأرض. المشكلة الثالثة هي ورطتنا التنموية وعلاقتنا بالآخر، فنحن أمة لم تستطع تخطي التحديات الحضارية منذ قرون، ولذلك تولدت لدينا حساسية مفرطة من الأخذ من الآخرين. فوجدنا أنفسنا ننادي باقتصاد إسلامي، ولكن المعروف أن الاقتصاد هو علم إدارة الموارد لتحقيق أهداف معينة، وهذا تعريف مادي ليس له أي علاقة بأي حضارة أو جغرافيا أو عرق أو دين.
فليس هناك اقتصاد بوذي أو مسيحي أو غيره. ولكن أحد إفرازات الورطة الحضارية هو الادعاء بأن هناك اختلافا مع الآخر في كل شيء، فهي حالة من الدفاع العاطفي. نتائج وإفرازات البعد العاطفي كبيرة ومؤثرة. أحد أهم الإفرازات أن كل من يرغب في جذب الأموال أصبح يدعي إسلاميتها، فأصبح المركزان الماليان في لندن وسنغافورة، اللذان تعلما من الماليزيين مدى مطاطية هذه المنتجات، والذين هم في الأساس منبع المنتجات الإسلامية.
لا يستطيع أي إنسان التوفيق بين الموضوعية والإخلاص وبين الحقائق الثلاث التي ذكرناها آنفاً إلا بتقديم العاطفة على العقل أو المصلحة على الشفافية. الإشكالية ليست في الدين، ولكن في المفاهيم الخاطئة والجمود الفكري. هناك نتائج كثيرة لهذا الوضع، منها تلويث أذهان كثير من غير الواعين بالفرق بين المال والاقتصاد وبين قيمة الوقت وعدمها لا نستطيع أن ننكر قيمة الوقت في المال مثلما لا نستطيع إنكار الجاذبية في علم الطبيعة. الدين الحنيف يدعو إلى رفع الظلم والاستغلال والإجحاف أيا كان شكله أو آليته، ويدعو إلى صفاء الذهن والمصلحة العامة ويغلب الكلي على الجزئي والأصل على الفرع. القفز من تحريم الربا إلى لجان بعيدة عن التفاصيل الاقتصادية يحمل مخاطر على المجتمع، ويثير تساؤلات حول المسؤولية الأخلاقية ومستوى الوعي العام في المجتمع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي