بائع الأوهام علينا
تشدد الرئيس الأمريكي أوباما ضد إقامة المستوطنات العام الماضي سراب في سراب. الرئيس الأمريكي أوباما يجيد الكلام ليبيعنا الأوهام.
حملت إلينا الأنباء الأيام الماضية تذلل أمريكا أن توافق سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تأجيل الاستيطان ثلاثة أشهر. في المقابل، تخرق دول القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن، وتعاقبها أمريكا أشد العقاب، وتنكل بها أشد التنكيل، ولكنها تستعطف دولة الاحتلال الإسرائيلي أن تؤجل خروقاتها للقوانين الدولية، بل وعدتها بحزمة من الحوافز وتشكيلة من أحدث الأسلحة الفتاكة، مقابل التأجيل لثلاثة أشهر. قيل إن هناك شكوكا حول الصفقة. لكننا نقول ما عسى الأشهر الثلاثة تلك أن تفعل لإعادة حق مسروق، بغض النظر عن الحوافز؟ ولا تنسوا أن المحتلين يقولون إن التأجيل لا يشمل القدس.
أخبار وأحداث تجلب الهم والغم على مدى عشرات السنين.
كلام أوباما المعسول يذكر بقصة شاعر في إحدى نواحي بلاد فارس. روى الجاحظ في كتابه البخلاء أنه جرت بين شاعر ووال كان بفارس أنشده الشاعر قصيدة مدحه فيها، فلما فرغ قال له قد أحسنت ثم أقبل على كاتبه وقال له أعطه عشرة آلاف درهم ففرح الشاعر فرحاً قد يستطار له. فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الوقع، اجعلها عشرين ألف درهم فكاد الشاعر يخرج من جلده, فلما رأى فرحه قد أضعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول. أعطه يا فلان أربعين ألفا فكاد الفرح يقتله.
فعلق كاتب الوالي بأن الشاعر كان يرضى بأربعين درهما؟ فرد عليه الوالي ويلك، وتريد أن تعطيه شيئاً؟ يا أحمق. إنما هذا رجل سرنا بكلام وسررناه بكلام.
أتذكر هذه القصة كلما سمعت الرئيس الأمريكي أوباما يقول عبارات في حقوق الفلسطينيين أو حقوقنا نحن المسلمين في فلسطين. يسمعنا معسول الكلام، ولكننا نرى أفعالا غير. قال أكثر من مرة إن أمريكا ليست في حرب ولن تكون في حرب مع الإسلام. وأقول هذا قول كذب، وسياسة أمريكا في الشرق الأوسط عموما ومع الفلسطينيين خصوصا برهان جلي على كذب ذلك القول، إلا إذا كان لا يدري فتلك مصيبة أخرى.
كتب الكاتب محمد الشنقيطي مقالا بعنوان أوباما وشاعرُ خراسان ونشره موقع قناة الجزيرة في الأسبوع الماضي. المقال يستحق أن ينقل منه بعض الأفكار.
يقول الكاتب وإذا كان أوباما نجح في اختراق سقف النخبة السياسية الأمريكية اختراق السهم النافذ، فهو يطمح اليوم إلى اختراق العقل المسلم، بجُملٍ منمَّقة ومجاملات باردة. وهيهات له أن ينجح في ذلك فهو رجل يقود دولة تُشعل الحروب في أرجاء العالم الإسلامي. وأظن أن القراء يوافقونني على شماتة جماهير المسلمين في أمريكا حينما تحل المصائب بجيشها.
ستبقى الشماتة ما دامت إسرائيل تستعبد النخبة السياسية الأمريكية، وهذه النخبة لا تلقي لنا اعتبارا.
يقول الشنقيطي إنه حين يدعو أوباما إلى ''صياغة أرضية مشتركة'' للتعايش والتعاون، فإنه ينسى (أو يتناسى) أن دولته تعتبر أن بضعة ملايين من المستعمِرين اليهود أهم من مليار ونصف مليار مسلم، وأهم من مئات الملايين من العرب.
تتبع البروفيسور جاك شاهين في كتابيْه: (العرب الحقيقيون الأشرار) و(عربيُّ التلفزيون) الجهدَ المنهجي المنسق في هوليوود وفي الإعلام الأمريكي لتعميق وإدامة الصور النمطية السلبية عن العرب والمسلمين على مدى مائة عام تقريبا، من نهاية القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين. ولذا ليس صحيحا أن الصورة السلبية عن المسلمين هي وليدة هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الدامية. حب الإعلام الأمريكي خاصة والغربي عامة لهذه الصورة النمطية هو أحد أسباب قناعتي أن أمن وسلامة إسرائيل ليس ضرورة أمنية أو مصلحة استراتيجية كبرى للغرب عامة وأمريكا خاصة، ولكن الأمور ركبت لتبدو كذلك.
من البعيد جدا أن تتغير هذه الأمور، بل سيستمر أوباما في خطبه الرنانة، بينما تستمر دولته في سياساتها العدوانية. ويمكرون ويمكر الله.
وبالله التوفيق.