تأثير حرب العملات على المملكة
ترتفع مخاوف من تحول حرب العملات الجارية بين الصين والولايات المتحدة إلى حرب تجارية. وتحاول الولايات المتحدة خفض الدولار؛ لتعزيز مستوى الصادرات وخفض العجوزات الهائلة التي تعاني منها وتعزيز النمو الاقتصادي الداخلي لخفض معدلات البطالة. ويعوق خفض الدولار ـــ كما ترى الولايات المتحدة ـــ خفض الصين لعملتها تحت المستويات التي تعتقد أنها عادلة، الذي أدى إلى تراكم الاحتياطات الأجنبية لدى الصين وارتفاع الفوائض التجارية بشكل مذهل، خصوصا مع الولايات المتحدة. وللتعامل مع ما تراه الولايات المتحدة خفضا غير مقبول لليوان الصيني قد تلجأ الولايات المتحدة إلى فرض رسوم إضافية على الواردات من الصين لتصحيح ما تراه تلاعبا في معدلات العملة الصينية.
وفي حالة فرض رسوم أمريكية على الواردات الصينية، فمن المتوقع ألا تقف الصين مكتوفة الأيدي، وستفرض في المقابل رسوما على الصادرات الأمريكية إليها. وقد تلجأ الدولتان إلى اختيار مجموعة من السلع المؤثرة وفرض رسوم عليها. وفي حالة احتدام الحرب التجارية ستنخفض مستويات التجارة بين الدولتين؛ مما قد يهدد الانتعاش الاقتصادي في البلدين، خصوصا في الصين، التي قد تتراجع فيها معدلات النمو الاقتصادي. ومن المستبعد أن تصل الخلافات بين البلدين إلى الحرب التجارية، لكنه أمر ليس مستبعدا وقد يحدث، خصوصا إذا لم ترتفع معدلات النمو في الولايات المتحدة وواصلت معدلات البطالة بقاءها عند مستويات مرتفعة. وستحدد نتيجة النزاع الأمريكي مع الصين أيضا العلاقات التجارية الأمريكية مع الدول الرئيسة الأخرى التي تحقق فوائض كبيرة مع الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تؤثر نتائج النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة على العلاقات التجارية بين معظم دول العالم. ويقوم عدد من دول العالم أثناء الوقت الحالي بالتدخل في أسواق عملاتها؛ وذلك لمنع ارتفاع معدلات صرفها، ومن أبرز تلك الدول اليابان التي تحاول جاهدةً كبح ارتفاع عملتها أمام الدولار.
وفي حالة فرض الولايات المتحدة رسوما إضافية على صادرات الصين وعدد آخر من الدول، فإن هذه الدول ستفرض رسوما مقابلة؛ مما سيحد من نمو ومستويات التجارة العالمية، الذي سيقود إلى خفض معدلات النمو الاقتصادي العالمي، وقد ينتج عنه تلاشي آثار الانتعاش الاقتصادي العالمي. وقد ينتج منه تلاشي آثار الانتعاش الاقتصادي العالمي. وإذا تفاقم الوضع قد يعود العالم إلى الركود الاقتصادي. وفي حالة حصول هذا المشهد، فإن نمو الطلب العالمي على الطاقة سيتأثر وتتراجع فيه أسعار النفط والمنتجات ذات الصلة مثل البتروكيماويات تحت مستويات التجارة الحرة، خصوصا في كل من الصين والولايات المتحدة. وتعتبر الولايات المتحدة والصين أهم مستهلكي النفط والصناعات المرتبطة به على مستوى العالم. وتراجع استهلاكهما سيؤثر بقوة على أسعار النفط وأسعار السلع ذات الصلة. أما إذا استجابت الصين لمطالب الولايات المتحدة برفع معدلات عملتها فإن أسعار السلع الصينية المصدرة إلى الخارج والتي منها المملكة سترتفع. وسيتحمل المصدرون الصينيون والموردون للسلع الصينية إلى دول العالم بما فيها المملكة بعض تكاليف ارتفاع اليوان، وبهذا ستنخفض أرباح الشركات الصينية من التصدير وأرباح الموردين المحليين للسلع الصينية. وسيتحمل مستهلكو السلع الصينية، الذين من ضمنهم الكثير من سكان المملكة الجزء الأكبر من تكاليف رفع اليوان الصيني. وسترتفع مع ارتفاع أسعار السلع الصينية أسعار جميع السلع المنافسة، سواءً كانت منتجة محليا أو في دول أخرى. وسيتحمل المستهلك المحلي خسائر إضافية نتيجة لارتفاع تكاليف السلع المنافسة. أما المنتج والمصدر المحلي للسلع المنافسة للسلع الصينية فسيرفع أسعاره، سواءً كانت محلية أو للتصدير. وسيحقق هؤلاء المصدرون والمنتجون المزيد من الأرباح، كما سيتمكن المصدرون إلى الصين من تعزيز قدراتهم التنافسية مقارنةً بالسلع الصينية وتحقيق المزيد من الأرباح. ويأتي في مقدمة هؤلاء مصدرو المنتجات البتروكيماوية، وعلى رأسهم شركة سابك. أما بالنسبة للصادرات النفطية إلى الصين فلن تحقق مكاسب كبيرة بسبب سياسات تسعير الكثير من المنتجات النفطية، التي ستحد من آثار رفع معدلات صرف العملة، بل قد يتراجع النمو في استهلاك المنتجات النفطية بسبب تراجع النمو الاقتصادي في الصين.
أما إذا استجابت الصين إلى المطالب الأمريكية فهذا سيشجع الولايات المتحدة على ممارسة ضغوط على بعض الدول التي تربط عملاتها مع الدولار الأمريكي لرفع معدلات صرف عملاتها. وليس من المتوقع أن تتعرض المملكة إلى أية ضغوط لرفع معدلات صرف الريال؛ لأن معظم الصادرات السعودية مواد أولية ووسيطة ومسعّرة بالدولار، ويأتي على رأسها النفط والبتروكيماويات. وقد تحقق الصادرات الأمريكية بعض المكاسب من رفع سعر الريال ولكنها محدودة. وهذا يفسر بعض نصائح كبار الاقتصاديين الأمريكيين إلى المملكة وفي مقدمتهم ألن جرينسبان رئيس الاتحاد الفيدرالي الأمريكي السابق، الذين نصحوا برفع معدلات صرف الريال مع الدولار ليس حبا في المستهلك المحلي، لكن لدعم الطلب على السلع والخدمات الأمريكية.
وختاما: فمن المرجح أن تستجيب الصين (والدول الأخرى) جزئيا للمطالب الأمريكية وترفع من معدلات صرف عملتها بصورة أسرع من رغبتها. وستتقبل الولايات المتحدة التنازلات الجزئية الصينية وذلك إدراكا لحجم الخسائر الهائل الذي قد ينتج من وقوع حرب عملات قد تقود إلى نشوب حرب تجارية بين الطرفين، التي لن يستفيد منها أحد عند نهاية المطاف. وهذه ليست المرة الأولى التي تنشأ فيها حرب عملات، ففي عام 1985 اجتمع وزراء المالية في الدول الغربية الرئيسة واليابان في نيويورك وقرروا خفض معدلات صرف الدولار مقابل الين الياباني والمارك الألماني، وهذا ما حصل على الأمد الطويل. من جهةٍ أخرى، تخشى الصين أن تقع في فخ رفع العملة وتعاني تراجعا اقتصاديا طويل الأمد، وهو ما حصل لليابان منذ عام 1990م، حيث أسهم ارتفاع الين الياباني في خفض معدلات النمو الاقتصادي في اليابان، كما فشلت السياسات النقدية في انتشال اليابان من الركود الاقتصادي الذي عصف بها منذ التسعينيات.