ليشهدوا منافع لهم في الصناعة
قال الله تعالى: ''وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ''، الآيتان 26 و27 من سورة الحج. وإضافة ''في الصناعة'' في العنوان هو من قبيل الاقتباس الجائز عند جمهور العلماء، وخاصة في النثر.
روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومِجَنَّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتاثَّموا أن يتَجروا في المواسم، فسألوا رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ عن ذلك، فنزلت الآية. الإخلاص شرط في جميع العبادات، إلا أنه لا حرج على الإنسان أن يبتغي فضلا من الله بالتجارة، وهو قاصد البيت الحرام، وإنما الذي يخل بالإخلاص ألا يكون له قصد إلا الاتجار والتكسب.
جاء الأمر بفريضة الحجّ، مقرونا ببيان حكمته. وتنكير كلمة ''منافع'' للتعظيم والتكثير، ويصلح أن يكون للتنويع، أي أنواع من المنافع الدينية والدنيوية. وقد حملها جماهير المفسّرين على المنافع الدينية والدنيوية معا.
وقد أشارت بعض وسائل الإعلام إلى تقدير اقتصاديين وغير اقتصاديين حجم عوائد الحج خلال موسم الحج الماضي بنحو 20 مليار ريال. وإذا أضفنا العمرة، فأتوقع أن المبلغ لا يقل عن 40 مليار ريال. ولا نملك أرقاما دقيقة وموثوقا بها عن قدر هذه العوائد.
ويدخل في عوائد الحج والعمرة إنفاق الحجاج والمعتمرين لشراء هدايا من الديار المقدسة، ولكن معظم الهدايا، بل معظم السلع التي يحتاج إليها الناس تنتج في بلاد غير إسلامية؛ ولذلك تقل استفادة البلاد الإسلامية وخاصة هذه البلاد (السعودية) من منافع الدنيا المحققة في الحج. وهذا يلقي مسؤولية على عاتق كل من يعنيهم أو يهمهم الأمر لإنشاء مشروعات تتولى إنتاج وتسويق كل ما يمكن أن ينتج ويسوق على الحجاج والمعتمرين والزوار، من الطيبات طبعا، حتى يكون خير المسلمين للمسلمين، وخاصة في الديار المقدسة.
وهنا أطرح مقترحا، وقد يكون قد سبق طرحه، ولكن الأهم أخذه بالاهتمام والجدية، لعل الله أن يجعل فيه نفعا للعباد والبلاد.
ينبغي اختيار أرض كبيرة قريبة من مكة المكرمة، لإقامة مدينة صناعية تبنى فيها المصانع والورش التي تنتج المصنوعات الحرفية ونحوها المشهورة أو التي يتميز بها كل بلد إسلامي. وربما يخصص لكل دولة عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي مساحة، وتوضع معايير للعمل والتسويق والتدريب... إلخ.
وينبغي أن تقام معاهد تدريبية للتدريب على هذه الحرف، يتعلم منها أبناء أم القرى وغيرهم حرفا ومصنوعات شعبية لدى الآخرين، بما يؤهلهم لشغل جزء معتبر من الوظائف المهنية في مصانع المدينة، التي قد تسمى ''مدينة صناعات العالم الإسلامي''، أو نحو ذلك من التسميات.
حسب علمي ومن الموقع الإلكتروني لهيئة المدن الصناعية، ليس في مكة المكرمة في الوقت الحاضر إلا مدينة صناعية واحدة، وهي صغيرة تقل مساحتها عن كيلومترمربع، وبها نحو 60 مصنعا، وهذا عدد صغير، وأتوقع أن المصانع صغيرة.
من يرفع اللواء ويحمل هم دراسة الفكرة وتخطيطها وتنفيذها؟
لدينا هيئة المدن الصناعية، وهيئة الاستثمار والغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة. ولعله يحصل تعاون وتنسيق مع وزارة الخارجية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لدراسة الفكرة وتنفيذها.
الإنتاج يباع على الزوار والمعتمرين والحجاج وغيرهم، وجزء للسوق المحلية خارج مكة المكرمة وجزء للتصدير. وللتعريف بما تنتجه مدينة صناعات العالم الإسلامي، ينبغي أن يقام معرض صناعي دائم، يحوي نماذج ومعلومات عن الصناعات التقليدية والحرف القائمة والمنتشرة في المجتمعات الإسلامية عبر مئات السنين.
وعيدكم مبارك وكل عام وأنتم بأحسن حال، وبالله التوفيق.