رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الشواطئ .. وقرار الحفاظ على الأراضي العامة

قرار مجلس الوزراء الأسبوع الماضي حول الحفاظ على أراضي الخدمات العامة وإبقائها لما خصصت له، قرار مهم ورشيد يعكس الحرص على تحقيق المنفعة الاجتماعية المقصد الأساس من استخدامات الأراضي العامة. كما أنه يأتي في سياق نهج الإصلاح الذي تنتهجه الدولة وعزمها على محاصرة الفساد الإداري من خلال وضع الضوابط للحد من التعديات على الحق العام. ولا شك أن الأراضي العامة أساس التخطيط المكاني فهي التي تشكل المدينة، وترسم صورتها، وتحدد معالمها، وتقدم خدمات اجتماعية أساسية وحيوية لا غنى عنها، حتى وإن بدت بعض الاستخدامات في نظر البعض ثانوية أو كمالية، وبالتالي يمكن التهاون والتخلي عنها وتغيير استخداماتها من عامة إلى خاصة! والحقيقة أن الالتزام بخطة استخدامات الأراضي في المدينة مطلب لتحقيق التنمية المحلية، فالأراضي تشكل أهم موارد التنمية الاقتصادية، فمنها وعليها يقوم النشاط الاقتصادي. ولذا كيفما تكون استخدامات الأراضي تكون التنمية المحلية، إذ إنها تحدد جاذبية المدينة للعمل والسكن والاستمتاع. والتفريق بين الاستخدامات الخاصة والاستخدامات العامة للأراضي أمر في غاية الأهمية، فإذا كانت الاستخدامات الخاصة تحقق مصالح الأفراد الذاتية، فإن الأراضي العامة تحقق المنافع العامة التي ينعم بها جميع سكان المدينة أو أغلبهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ليس ذاك وحسب، وإنما لها تأثير إيجابي حتى في المصالح الخاصة، فالمتنزهات والطرق على سبيل المثال، تزيد من قيمة العقار الخاص إما بيعا أو إيجارا.
خاصية العمومية للأراضي العامة وتأثيراتها الجانبية الإيجابية، مفهوم عميق وقوي يرتبط بثقافة المجتمع وإدراكه للمنافع المشتركة بنظرة واعية وإجراءات نظامية تضمن تحققها. والحقيقة التي يلزم التأكيد عليها في هذا السياق أن المرافق والخدمات العامة يستفيد منها جميع سكان المدينة دون استثناء، مقارنة بالاستخدامات الخاصة للأراضي التي تنحصر خدماتها على شريحة صغيرة من المجتمع لها القدرة والرغبة في شراء الخدمة. أهمية المرافق العامة تنبع من أنها تولد الإحساس لدى سكان المدن بالانتماء لمجتمعهم المحلي، وشعور بتملك المكان، وتكون القاسم المشترك بين سكان المدينة، وتعزز الهوية المحلية، ففيها يلتقون ويتواصلون ثقافيا واجتماعيا، ومنها وعليها يتنقلون، وفيها يتعلمون ويستمتعون، فمن الطريق العام إلى المتنزهات العامة إلى المدارس والمشافي والدوائر الحكومية والخدمات العامة الأخرى، فبعض الخدمات شبكي يتم إيصالها للمستخدم كما الطرق والمياه والكهرباء وأخرى نقطي على المستهلك الذهاب إليها للحصول على الخدمة مثل، المتنزهات والمكتبات العامة وجميعها تتطلب مساحات من الأراضي. بعض الأراضي العامة لا تتحقق منفعتها إلا بإقامة مشاريع حكومية، والبعض الآخر منافعها لذاتها فتترك على طبيعتها مثل الشواطئ البحرية.
وقضية الشواطئ العامة قضية وطنية حساسة اجتماعيا، ومنبع حساسيتها أن لها خصوصية الاستمتاع العام دون تدخل إنساني، ما يجعل لها وضعا خاصا يختلف عن باقي الأراضي العامة التي تمتلكها الأجهزة الحكومية. فهي في الأصل محميات طبيعية يستوجب تركها على حالها دون المساس بها، فجمالها في عذريتها. ولذا ليس من المقبول ولا المنطق أن يتم حجبها عن العموم عبر إقامة مشاريع خاصة لتتحول من العمومية إلى الخصوصية. هذا الأمر ينافي الحق العام في الاستمتاع بالأماكن الطبيعية المفتوحة للجميع أو هكذا يفترض!. وما يزيد الأمر سوءا، استنزاف تلك الشواطئ بالاستخدامات الخاصة لتفوق أضعاف ما ترك للعموم. فهذه الشواطئ العامة لم تعد عامة! فقد راح يبنى عليها الشاليهات الخاصة الضخمة لتمتد على طول الشاطئ، ويتم حجزه بالكامل ليحرم العموم من مشاهدة منظر البحر، فضلا عن ارتياده والسباحة والسير بمحاذاتها! إن ما يحدث على الشواطئ هو تعد صارخ على الحق العام، وعلى موارد طبيعية هي من حق المجتمع كل المجتمع، ولا يمكن بيعها والتصرف فيها لأن ليس لها ثمن، فقيمتها اجتماعية أكثر بكثير من أن تقدر بعوائدها الاقتصادية الخاصة. وهو ما يلزم النظر إليه من هذه الزاوية لحمايتها من هذه التعديات والاستهلاك الخاص الجائر. فمنع الناس من الاستمتاع بأجزاء كبيرة من الشواطئ القريبة من المدن يبخس حقهم ولا يكون هناك تساو وعدل في منح فرص متساوية للاستمتاع بالمكان العام، ما يعطل الحق العام، وهو أمر جد خطير يتنافى مع توجهات ولاة الأمر وحرصهم على العدل والمساواة والحفاظ على الموارد الطبيعة واستدامتها. لقد أصبح على الراغبين في ارتياد البحر قطع مسافات طويلة للوصول إلى الشواطئ العامة البعيدة فعلى طول الطريق البحري ترى ترسانات أسمنتية لمبان ضخمة تحتل مساحات طولية على الشريط الساحلي، وقد أحيطت بأسوار تطاول عنان السماء لتحجب منظر البحر الجميل عن العموم!.
قرار مجلس الوزراء الحفاظ على أراضي الخدمات العامة لم يتطرق لهذا النوع من الأراضي العامة، والحفاظ عليها يتطلب إصدار تشريعات مماثلة تحرم البناء الخاص على السواحل البحرية أيا كان نوع الاستخدام، كما يلزم تحديد حرم للشواطئ يتم من بعده إقامة المشاريع الخاصة من الشاليهات أو الفنادق أو المطاعم أو أي نوع من أنواع التنمية والتطوير. الشاطئ في كل جزء من أجزائه حق عام ويفترض أن يظل كذلك. السؤال كيف يمكن تصحيح الوضع الراهن وإعادة الأمور إلى نصابها؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال الكبير والصعب، خاصة في ظل سيطرة المصالح الخاصة وتقديمها ولو على حساب المصالح العامة والوطنية. وربما كان علينا طرح سؤال آخر على قدر كبير من الأهمية يساعد في الإجابة على السؤال السابق، وهو على أي أساس تم منح تراخيص لهذه الشاليهات الخاصة؟! وما المرجعية النظامية لذلك؟ وإذا كان هناك غياب لتنظيمات تحمي السواحل البحرية من الاستخدامات الخاصة أي كانت، فيلزم العمل على استصدار نظام بهذا الخصوص. وإن كان هناك نظام، فلم لم يطبق؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي