المُبتعث السَلَف والمُبتعث الخَلَف
الابتعاث الخارجي للدراسات المتوسطة والدراسات العليا ليس بحديث عهد علينا في المملكة، فهناك تاريخ للابتعاث بدأه المؤسس الملك عبد العزيز ـــ رحمة الله عليه ـــ وسار على الاتجاه نفسه أبناؤه تباعا، حتى وصولنا إلى مكرُمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز المتواصلة لابتعاث أبناء وبنات الوطن للتحصيل العلمي، سواء لنيل درجات البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه، وفي مختلف المجالات؛ ليعودوا بعد ذلك لخدمة دينهم ووطنهم ومليكهم. هناك اختلافات جوهرية بالنسبة إلى ما كانت عليه متطلبات الابتعاث في بداياته الأولية وفي مراحله المتوسطة والمتطلبات الحالية في ظل التوسعات الاقتصادية والاجتماعية والخطط التنموية لبناء المملكة. ارتبط الابتعاث الخارجي ارتباطا متوازيا مع مراحل الازدهارات الاقتصادية التي مرّت بها المملكة بداية من الخمسينيات من القرن المنصرم إلى الازدهار الاقتصادي الذي نعيشه في أيامنا هذه، والتي أدت تحت إدارة خادم الحرمين الشريفين إلى ابتعاث ما يفوق على 100 ألف مبتعث ومبتعثة.
في البدايات وبعد توحيد الدولة، ارتأى المؤسس الملك عبد العزيز ـــ رحمة الله عليه ـــ وببصيرة ثاقبة، الحاجة الماسّة إلى ابتعاث أبناء المملكة للدراسة في الخارج ونيل الشهادات العليا التي تمكّنهم من مساعدته في النهوض بالوطن بإرساء القواعد التي كانت البلد في حاجة إليها؛ للبناء ولتنمية البنية التحتية الأساس للدولة من الوزارات والمرافق المهمة لحياة المواطن، سار من بعد وعلى النهج نفسه الملك سعود ـ رحمة الله عليه ـ وأكمل ما بدأه الوالد في الابتعاث الخارجي، إضافة إلى بناء الجامعات والكليات الداخلية؛ لتسهيل طلب العلم وبناء المواطن. جاءت بعد ذلك طفرة السبعينيات في عهد الملك فيصل ـــ رحمة الله عليه ـــ وتوسع مجال الابتعاث الخارجي، حيث التحق بالركب الكثير من أبناء وبنات الوطن للتحصيل العلمي العالي، إلى تلك الحقبة من الزمن كان المرتجى من الابتعاث الخارجي تمكين وتجهيز أبناء وبنات الوطن ليأخذوا أماكنهم في إدارة المجالات الخاصة في الدولة؛ وذلك للمساعدة في العمل على إنجاز الخطط الخمسية للتنمية التي كانت أساس البناء في تلك الحقبة من الزمن. سار على النهج نفسه الملك خالد ــ رحمة الله عليه ــ مع بداية بوادر التخصص في مجالات يتطلب فيها التخصص. التغيير النمطي للابتعاث الخارجي، جاء في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، حيث ارتأى ـــ رحمة الله عليه ـــ ضرورة تعزيز القطاع الخاص بكوادر سعودية حاصلة على شهادات عليا متخصصة تقوم بالعمل على تخفيض الخبرات الأجنبية ليحل محلها خبرات سعودية قادرة على نقل القطاع الخاص إلى مراحل متقدمة ومجاراة التنمية التي تعيشها الدول الأخرى.
هذه المقدمة التاريخية البسيطة ليست إلا مدخلا ربما نستطيع من خلاله وضع الرؤية بين الاحتياجات التاريخية المرجوة من الابتعاث الخارجي وما نحن مقدمون عليه والمرجو من المبتعثين المتخرجين، أو الذين سيتخرجون خلال السنوات القليلة المقبلة. ففي الزمن المنقضي ابتُعث المواطن لدراسة الهندسة وتخرج وعمل وراء المكتب في الوزارات والبلديات، بالرغم أن مجال تخصصه في الهندسة يحتّم عليه أن يكون مهندسا ميدانيا، ابتعث المواطن لدراسة الطب وتخرَّج وعمل في وزارة الصحة في مناصب إدارية، ابتعث المواطن لدراسة هندسة البترول وتخرج ليعمل إداريا في وزارة البترول (اللهم إلا القلة القليلة التي ابتعثتهم "أرامكو" وتخرجوا للعمل الميداني)، ويمكننا القياس على ذلك الكثير من المجالات التي ابتعث في المواطنون وتخرجوا ليعملوا خلف المكاتب الوثيرة، رغم أن تخصصاتهم ميدانية أكثر منها مكتبية. الحاجة في تلك الحقبة من الزمن ربما حتّمت هذا التوجه في تعيين وتوظيف المبتعثين في الوزارات والإدارات الحكومية والخاصة، لكن ماذا بشأن وقتنا الحالي ومبتعثينا الحاليين؟ هل سيتخرّج ما يقارب الـ 100 ألف مبتعث للعمل في الوزارات والإدارات الحكومية والخاصة خلف المكاتب الفخمة؟ هل سيتخرّج الأطباء ليعملوا إداريين في وزارة الصحة، هل سيتخرج المهندسون ليعملوا إداريين في الوزارة والبلديات الفرعية الملحقة، ويعمل تخطيط مدننا ومشاريعنا التنموية والإشراف عليها مهندسون أجانب حتى ولو كان من يقوم ببناء تلك المشاريع الضخمة أكبر شركات البناء الموجودة في المملكة؟ والأكثر أهمية أين سيعمل من ابتعثوا ليتخصصوا في مجال التعليم في الوزارة كإداريين أو هم من سيعملون على العمل بالنقلة النوعية التي نحتاج إليها للرقي بالتعليم في المملكة؟
أنا متفائل بالجيل الحالي وتوجهاته وطموحاته وأكاد أجزم بأنهم يعون جيدا أن الزمن قد تغير، وإذا كنا نحن ـــ الجيل السابق ـــ قد آثرنا العمل إداريين، خلف المكاتب فهذا ليس بطموحهم وليس بالدافع الذي من أجله رحلوا إلى الابتعاث والتحصيل العلمي؛ بغية التغيير والوقوف على بناء الوطن، سواء كان ذلك مكتبيا أو ميدانيا. الشيء الذي لست بمتأكد منه هو الإعدادات والتنسيق المسبق من قِبل وزارة التعليم العالي وبقية الوزارات والإدارات الحكومية وشبه الحكومية والقطاع الخاص لاستيعاب هؤلاء الشباب وإدخالهم إلى دائرة الاقتصاد كلٍ في مجال تخصصه. ويعلم إخواني الاقتصاديون أن إحدى دعائم الاقتصادية التنافسية هو الجزل في عطاء ورفع مستوى الدخل الفردي لمثل هؤلاء المتعلمين والعاملين ضمن المنظومة الاقتصادية الكلية للمملكة.
دعائي لكم بدوام الصحة والعافية،،،