رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حرب بلا سلاح

حرب العملات هي من الحروب القليلة التي لا يستخدم فيها السلاح ولا تراق فيها الدماء، وهي عبارة عن تنافس دولتين أو أكثر لخفض قيمة عملة واحدة على الأقل. وتهدف الدول من خفض عملاتها إلى رفع قدرة صناعاتها المحلية على المنافسة وتمكينها من تحقيق أرباح أعلى من الصادرات. وترى بعض الدول أن خفض العملات تحت مستوياتها الحرة يوفر دعما غير مباشر للصادرات، وتمنع أنظمة منظمة التجارية العالمية الدعم المباشر وغير المباشر للصادرات، لكن لم تحدد المنظمة العملة كإحدى وسائل الدعم. ويمكّن خفض العملة المنتجين المحليين من تحقيق إيرادات أعلى من الصادرات بالعملة الوطنية، بينما يدفعون تكاليف المدخلات المحلية بالعملة الوطنية. وتتشكل المدخلات المحلية في الدرجة الأولى من أجور العمالة، ثم بعض أو معظم المواد الأولية والوسيطة والطاقة والخدمات. وعندما تدفع هذه التكاليف بالعملة الوطنية فإن أرباح المنتجين من عمليات التصدير ترتفع؛ ولهذا تسعى الشركات إلى رفع مستويات التصدير لتحقيق المزيد من الأرباح. وإضافة إلى ذلك، يرفع خفض العملة أسعار السلع والخدمات المنافسة في السوق المحلية؛ مما يسمح للشركات المحلية برفع أسعارها بعض الشيء، وبذلك ترتفع أرباحها أيضا من المبيعات المحلية وتنخفض واردات السلع المنافسة. ولصحة هذه الفرضية لا بد من بقاء إنتاجية العمالة على الأقل ثابتة، حيث إن تراجع إنتاجية العمالة على الأمد الطويل مقارنةً بإنتاجية العمالة في العالم الخارجي يتسبب في تراجع تنافسية الدولة ومبيعات وأرباح الشركات. ومن المعلوم أن تراجع إنتاجية العمالة على الأمد الطويل مقارنةً ببقية دول العالم يعد سببا وجيها ومقنعا لخفض معدلات صرف العملة، كما أن ارتفاع إنتاجية العمالة يبرر رفع معدلات صرف العملة.
وشهدت إنتاجية العمالة في الصين وعدد من الدول الآسيوية والأخرى ارتفاعا كبيرا في السنوات الماضية ولم يصاحب النمو في إنتاجية العمالة نمو مماثل في الأجور. وارتفعت الإنتاجية بسبب الارتفاع الكبير في الاستثمارات الرأسمالية وفي تنمية الموارد البشرية، التي أدت إلى رخص المنتجات الصينية والآسيوية مقارنةً بالمنتجات في الدول المنافسة. ولم تنخفض قيمة اليوان مقارنةً بالدولار خلال الأعوام الماضية، بل على العكس فقد ارتفعت بعض الشيء مقابل العملات الأخرى، لكن هذا الارتفاع كان أقل بكثير من التحسن الكبير في إنتاجية العامل الصيني مقارنةً بالعمالة في بقية دول العالم، خصوصا في الولايات المتحدة. ولدى الصين مميزات إضافية، أهمها حجم السكان الهائل والاقتصاد الكبير واللذان ساعدا في خفض تكاليف الإنتاج وإنشاء مؤسسات إنتاجية ضخمة. ويرجع النمو الاقتصادي القوي في الصين جزئيا إلى تدني مستويات التنمية والدخل في الصين مقارنةً مع الدول الغربية، والذي عظّم من تأثير الاستثمارات الرأسمالية وتطوير الموارد البشرية فيها مقارنةً مع الدول الغربية.
وحققت الصين معدلات نمو اقتصادي قوي خلال الأعوام الماضية، حيث تبنت نموذجا يعتمد على التصدير كمحرك للنمو الكلي في الاقتصاد. ونتيجةً لذلك تحرص الصين على حماية النمو القوي في الصادرات لتشجع تدفق الاستثمارات الأجنبية، التي تعزز بقوة النمو الاقتصادي القوي داخل الصين. ويعتمد النمو القوي الاقتصادي داخل الصين أيضا على الاستثمارات الكبيرة والضخمة، حيث تفوق قيم الإنفاق على الاستثمار قيم الإنفاق على الاستهلاك الخاص. وقد قامت الصين خلال الأزمة المالية العالمية برفع الاستثمار الحكومي في مشاريع البنية الأساسية وذلك لتعويض انخفاض نمو معدلات الاستثمار في الصناعات الموجهة للتصدير. وقد نجحت في تخطي تأثيرات الأزمة المالية العالمية بسبب تراكم احتياطات العملة الأجنبية وبسبب برامج التوسع المالي الحكومي. لكن لا يمكن للصين الاستمرار في مثل هذه السياسات على الأمد الطويل، ومن أجل ذلك عليها العمل على تشجيع الاستهلاك الخاص ليكون رافدا للنمو خلال الأمد الطويل. ويشكل استهلاك الأسر في الوقت الحالي 35 في المائة من الناتج المحلي بسبب تركز الإنفاق على الاستثمار (41 في المائة من الناتج المحلي) والتجارة الخارجية. ويأتي التركيز على الاستثمار نتيجةً لسوء توزيع الدخل ولغياب شبكات الحماية الاجتماعية كأنظمة التقاعد الشاملة، ولهذا يلجأ الصينيون لتوفير واستثمار الجزء الأكبر من دخولهم للحصول على الأمان في حالة فقدانهم أعمالهم أو كبر سنهم أو مرضهم. وخفض غياب شبكات الأمان الاجتماعي من تكاليف توظيف العمالة، كما ساعد في دعم الصادرات.
ومن الغريب أن تدعي الصين أنها دولة اشتراكية ومع هذا فإنها تعاني سوء توزيع الدخول بين الشرائح السكانية المختلفة. وأدت عمليات التحول إلى الاقتصاد الرأسمالي إلى تردي مستويات توزيع الدخول في الصين؛ مما نتج منه انخفاض نسب الاستهلاك إلى الناتج المحلي الإجمالي. ومن المعروف أن تركز الدخول والثروات في نسبة قليلة من السكان يقود أيضا إلى ارتفاع معدلات الادخار والاستثمار، ولهذا تحتاج الصين إلى معدلات نمو اقتصادي قوي لكي تقضي على القلاقل الاجتماعية والسياسية، التي يمكن أن تبرز في حالة تراجع معدلات النمو الاقتصادي القوي. ويساعد النمو الاقتصادي القوي في توفير السلم الاجتماعي، فتراجع معدلات النمو قد يخفض من النمو الضعيف في الأجور ومنافع العمالة، كما قد يتسبب في دفع معدلات البطالة إلى مستويات مرتفعة؛ مما قد يقود إلى نتائج اجتماعية وسياسية كارثية على الصين. ولهذا تخشى الصين من سياسة الصدمات، التي قد تؤثر على الأوضاع الداخلية وتهز السلم الاجتماعي، كما تتخوف من كون دعاوى رفع عملتها تهدف إلى التأثير على الأوضاع الداخلية؛ ولهذا فإنها ترفض وبشدة رفع عملتها بقوة وتحبذ عموما استراتيجية التدرج في عمليات تغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية.
ولتشجيع الاستهلاك على الأمد الطويل لا بد من تحسين مستويات توزيع الدخول في الصين؛ لتمكين الطبقات المتوسطة ومنخفضة الدخل من استهلاك المزيد من السلع والخدمات. ويتطلب ذلك تحسين نظم الحماية الاجتماعية، وإصلاح أنظمة الضرائب، وتوفير المزيد من الحقوق والحماية للعمالة، وزيادة الإنفاق على الخدمات الحكومية، خصوصا على الصحة والتعليم. وسيقلل تشجيع الاستهلاك الداخلي في الصين من اعتمادها على الصادرات كمحرك للنمو الاقتصادي، كما سيرفع من ورادات الصين؛ مما يساعد الصين والعالم في تحقيق المزيد من النمو ويقلل من الاختلالات التجارية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي