قراءة في كتاب – صناديق التحوط
أثناء الإجازة قرأت كتاب ''أموال أكثر من الإله'' صناديق التحوط وبروز نخبة جديدة للكاتب سباسين مالابي. صناديق التحوط أحد سبل الاستثمار الكبيرة وغير التقليدية، فهي في الدائرة العليا للنظام الرأسمالي وتجذب شخصيات طموحة وغير قادرة على القبول بالسلم التقليدي في إدارة المصارف وبيوت المال. فهذه الصناديق في الأساس تحاول استغلال الفرص الاستثمارية من خلال المراهنة على الفراغات والفضاءات الناجمة عن عدم كفاءة وفعالية أسواق الأسهم والعملات والسندات والسلع. وبما أن هذه الصناديق تعتمد على الرافعة المالية (القروض الكبيرة) فإنها عالية المخاطر وأحياناً سريعة الحركة. هذه المخاطر دفعت بهذه الصناديق إلى الواجهة الرقابية في الدول المتقدمة أثناء الأزمة الحالية والصاعدة أثناء أزمة نمور آسيا في نهاية التسعينيات.
يسلسل الكاتب تاريخ تطور صناديق التحوط من الطبيعة الموضوعية لإنشائها وأساليب الاستثمار إلى أقطاب هذه النخبة وأخيراً يحاول أن يقيم أداءها المالي والمؤسساتي في النظام المالي. أحد أوجه الجدل الواسع حول دور هذه الصناديق والقائمين عليها مثل سورس وبولصن وجونز وقرفذ وربورستون وغيرهم أنهم ''ساهموا'' في الأزمة المالية العالمية وبالتالي ألحقوا'' ضررا اقتصاديا. يدافع الكتاب عن هذه الصناديق ويدافع عن دورهم وتأثيرهم في الوسط المالي والاقتصادي. ولم تشفع الثروات الطائلة التي حققها هؤلاء في ظل بيئة عالية البطالة وازدياد الفجوة بين طبقات المجتمع تدريجيا لسمعتهم وعين الرقيب. هؤلاء جنوا رسوما طائلة - فهم عرفوا بجني 2 في المائة لإدارة المال و20 في المائة من المكاسب دون مخاطر عليهم عدا أن البعض التزم بإدارة أمواله الخاصة مع المستثمرين لكي يكونوا شركاء فعليين في المكسب والخسارة.
تقوم الفكرة الأساسية على أن الأسواق المالية ليست ذات فعالية عالية بعكس ما تقوم عليه النظرية المالية التقليدية لإدارة الأموال (أن السعر يعكس كل المعلومات المتوافرة عن الإدارة المالية ولذلك ليس هناك فرص حقيقية). رافق ذلك جدل واسع إلى أن أثبتت الدراسات الأكاديمية أن السوق ليست ذات فعالية عالية ومع ذلك أغلب مديري المحافظ المالية لا يستطيعون حتى مجاراة المؤشر. وبالتالي فإن هناك فرصة مواتية للمراهنة على التجاذبات بين الفاعلية وعدمها (رصد الاختلافات عن القيم الجوهرية والمراهنة على رجوع الأسعار) وبين الحالة النفسية للأسواق وتذبذباتها الاعتيادية وغير الاعتيادية والتي عادة ما يعبر عنها ما يسمى بالتحليل الفني الذي يحاول رصد تحركات الأموال والعزم.
ما كادت هذه الصناديق تأخذ مكانها في أمريكا حتى بدأت بالمراهنة على العملات واختلاف الأسعار بين السندات الأجنبية والسلع والعملات. وقد برز ذكر جورج سورس عندما ''أرغم'' الجنيه الاسترليني على الانسحاب من علاقة منظومة العملات الأوروبية وربح منها نحو مليار جنيه والتي خسرها لاحقاً بعد المراهنة على الين إلى مراهنة بولصن (لا علاقة مع بولصن وزير المالية السابق) منذ عام 2007 إلى 2009 الأخيرة في سوق أوراق العقار المالية والتي حقق منها ثروة تقدر بثلاثة مليارات دولار. ولكن بعد أن تكاثرت هذه الصناديق وبدأت تأخذ مكانها في الوسط الاستثماري خاصة بعد ما بدأ الكثير من الجامعات وصناديق التقاعد وحتى بعض الصناديق السيادية في الاستثمار بدأت بجذب شخصيات إما غير مؤهلة وإما غير ملتزمة اخلاقياً مما أثر في الأداء والسمعة؛ كذلك أدى تكاثرها إلى ''استغلال الربح السهل''. يذكر أن عدد هذه الصناديق وصل إلى 8400 بين 1995 و2005 وأن متوسط الأداء كان 7.7 في المائة بعد الرسوم والتكاليف، وهذا 3 – 4 في المائة أعلى من مؤشر الأسهم على سبيل المثال أي أن هناك نحو 3 – 4 في المائة عائد إضافي بسبب قدرات مديري صناديق التحوط. كذلك لم تحتج هذه الصناديق إلى دعم حكومي أثناء الأزمة المالية بعكس المصارف والبنوك الاستثمارية.