السياحة الداخلية.. والدعم المحدود!
الكل يتحدث عن أهمية السياحة كقطاع اقتصادي مليء بالفرص الاقتصادية والثقافية، لكن الحديث شيء وواقع الحال شيء آخر. فما زال الدعم الحكومي لقطاع السياحة دون المطلوب، إن لم يكن ضئيلا، ما يعكس حالة من عدم الجدية والقناعة لدى بعض أصحاب القرار من مسؤولين حكوميين ورجال أعمال في هذا القطاع الجديد والمؤثر، الذي ربما كان أحد أهم العلاجات الناجعة والبلسم الشافي لأوجاعنا الاقتصادية والقوة الدافعة نحو تحقيق أمنيات وتطلعات وطنية ظلت تراودنا سنوات طويلة في توطين الاقتصاد وجعله أكثر قدرة على الاستفادة من القوى العاملة الوطنية الشابة المدربة والمؤهلة، إضافة إلى تعزيز الانتماء الوطني والترويح عن فئة الشباب وأثر ذلك في نفسياتهم وسلوكهم وانعكاسه إيجابا على النواحي الأمنية.
المنافع التي يجنيها المجتمع من السياحة لا تتوقف عند ذلك الحد، بل تتعداه إلى وقف التدفق (النزيف) النقدي من الاقتصاد الوطني، فقد بلغ ما أنفقه السياح السعوديون في الخارج في 2010 ما يقارب ستة مليارات ريال سعودي، والعمل على تحويله للداخل استثمارا واستهلاكا بتهيئة مناخ السياحة الوطنية وجعله أكثر جاذبية للسياح ورجال الأعمال. كما أن للسياحة أثرا في التعريف بالسعودية كدولة لها مكانتها الدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وأهمية تجلية الصورة الحقيقية المشرقة لها بزيادة السياح للتعرف عن كثب على منجزاتها الحضارية وتراثها التليد، خاصة في ظل التحديات العالمية والتغيرات التي تشهدها المنطقة والهجمة الإعلامية من الناعقين في الخارج وأصوات النشاز.
السعودية مهيَّأة بما تملكه من إمكانات بشرية وثقافية واجتماعية وجغرافية واقتصادية وخدمات عامة ومرافق تعليمية وصحية؛ لأن تكون الوجهة الأولى للسياحة القيمة. فإذا كان لكل اقتصاد ميزاته التفضيلية التنافسية في مجال السياحة، فإن السعودية تمتاز بمجتمعها المحافظ المتمسك بقيمه الإسلامية الرفيعة وتقاليده العربية الأصيلة. هذه هي النكهة المتميزة للسياحية السعودية التي تجتذب شريحة كبيرة من سكان المنطقة. ولذا يخطئ من يختزل السياحة في دائرة الترفيه غير المنضبط أو الحرية المنفلتة، وربما كان ذلك الفهم القاصر لدى البعض العقبة الكؤود التي يجب تجاوزها للانطلاق بمشروعنا السياحي الوطني وتفعيل الاستراتيجية الوطنية التي عكفت الهيئة العامة للسياحة والآثار منذ سنواتها الأولى على صياغتها بكل احترافية ومهنية عالية؛ فقد تبنت منهجية الشراكة ودعوة جميع فئات المجتمع إلى تحديد الرؤية والمهمة والأهداف وما يجب عمله والموارد اللازمة والإطار الزمني عبر مراحل تطويرية، وهو سابقة في العمل الحكومي تستحق الإشادة والتقدير، لكن مع الأسف كل ذلك الجهد والاجتماعات والاستشارات والدراسات وما تمخض عنها لم تستثمر استثمارا كاملا ولم تطبق الاستراتيجية كما رسم لها وتركوا الهيئة كشجرة وسط صحراء قاحلة تصارع عوامل البيئة الصعبة، وبذات الوقت تطالب بأن تعمل المستحيل في تطوير قطاع السياحة.
وعلى الرغم من أن إنشاء الهيئة العامة للسياحة والآثار كهيئة متخصصة لتطوير قطاع السياحة يدل على إدراك أهمية قطاع السياحة، إلا أننا إلى الآن كدولة لم نحزم أمرنا بشكل واضح وصريح في تبني قطاع السياحة ودعمه دعما كاملا كما تجربتنا في قطاعي الزراعة والصناعة وغيرهما من القطاعات. هناك تردد واضح في الإقدام على تطبيق الاستراتيجية الوطنية للسياحة، ربما اعتقد البعض أن إنشاء تنظيم مختص بقطاع السياحة كاف بغض النظر عن مستوى الدعم المالي والصلاحيات الإدارية. والحقيقة أن القائمين على الهيئة قد أدوا أدوارهم بكل اقتدار في الدائرة الضيقة من الإمكانات والمتاح من الصلاحيات، ووظفوها خير توظيف بكل فاعلية وكفاءة، فقاموا بتطوير البنية التنظيمية وتنمية الموارد البشرية وبناء قاعدة بيانات وإحصاءات سياحية وإدارة الأنشطة السياحية وإنشاء وتطوير المتاحف والحفاظ على الآثار وتبني برامج التثقيف بالسياحة وقطعت شوطا كبيرا للبدء بالمشاريع السياحية الوطنية، وغير ذلك كثير مما لا يتسع المجال لذكره. هذا الجهد التأسيسي لتهيئة قطاع السياحة للانطلاق أمر خفي قد لا يدركه الكثيرون على الرغم من أهميته كمطلب أساس للتنمية السياحية. ولذا نرى الكثيرين يلقون باللائمة على الهيئة في كل ما يتعلق بالسياحة الداخلية من سلبيات، حتى إن لم تكن ضمن اختصاصاتها، مثل تدني مستوى استراحات الطرق، أو انقطاع التيار الكهربائي، أو شح المياه، أو رداءة الطرق، في المواقع والمرافق السياحية. ما يبرر الدعوة لدعم حكومي كاف لتحقيق الاستراتيجية السياحية وتمكين الهيئة العامة للسياحة والآثار من أداء مهامها الموكلة إليها.. إن قطاع السياحة قطاع مجتمعي يتداخل فيه الجميع ويعود بالنفع على الجميع، وبالتالي فهو مصلحة وطنية مشتركة ذات عوائد مجزية ومنافع متعددة.
لقد أنشئت الهيئة كجهاز إداري حكومي على معايير مهنية وأساليب عمل احترافية تضاهي أكبر الشركات عراقة وخبرة، وهي بذلك تتخلى عن تطبيق التنظيم البيروقراطي المنغلق وتتواصل بفاعلية مع المجتمع، فثقافة الهيئة التنظيمية مبنية على الشفافية والصدق والتعلم والانفتاح والمشاركة. وأكاد أجزم بكل أمانة ومهنية أنه لا يوجد جهاز حكومي في المملكة كالهيئة يجمع بين الاهتمام بتحقيق العمل وتطبيق معايير مهنية عالية وصارمة، وفي الوقت ذاته الاهتمام بالجوانب الإنسانية والعمل بروح الفريق وتحقيق الموظفين لذواتهم وحب الإنجاز والدقة والانتظام في مناخ تسوده الألفة والمحبة والإخلاص وتنظيم عالي الكفاءة، هذا ما يلحظه زوار الهيئة والمتعاملون معها منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامهم مكاتبها. وقد أتيحت لي الفرصة في أن أرقب عن كثب عبر دراسة ميدانية متعمقة هذا المناخ الإداري المتميز والحماس والاندفاع نحو تحقيق تقدم على أرض الواقع في كل الاتجاهات وعلى جميع المستويات دون كلل أو ملل أو إحباط. هذا الانضباط الإداري والفاعلية يبعث الطمأنينة بقدرة الجهاز المسؤول عن السياحة واستعداده بالعبور بها إلى مراحل متقدمة وتحقيق نقلة نوعية بشرط تأمين الدعم اللازم، فمن دون الدعم لا يستطيع أي جهاز مهما بلغ من الجودة والكفاءة بالأداء أن يحقق الأهداف المطلوبة بالمستوى المطلوب بالوقت المطلوب.
إن الحديث عن الهيئة العامة للسياحة والآثار وتنمية قطاع السياحة يأتي في سياقه الوطني وتسليط الضوء على قطاع مهم لم يأخذ نصيبه الكافي من الدعم على الرغم من إمكاناته الاقتصادية والثقافية وتأثيره القوي في تحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة، ما يتطلب إعادة النظر في أولوياتنا وخططنا الوطنية على أسس ومعايير مهنية ودراسات وإحصاءات ميدانية وقياس للتأثير النهائي ومقدار ما يجلبه كل قطاع من منافع وأهميته النسبية للمجتمع ودرجة إسهامه في معالجة القضايا والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية. ستظل السياحة القطاع المكتنز بالإمكانات والفرص ومفتاحها تطبيق الاستراتيجية السياحية الوطنية بالدعم الكامل، حتى لا تكون استراتيجية مع وقف التنفيذ!