المسافة بين رئاسة الأرصاد.. والمياه والخضرة في جزيرة العرب!

أتصور أن أداء الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة يحتاج إلى كثير من التنشيط، فالرئاسة ضنينة وشحيحة في إصدار البيانات التوعوية تجاه ما يحيط بنا من تغيرات مناخية وطبيعية، التي أصبحت تغيرات ترج الإنسان وتزلزل الأرض من تحت أقدام البشر، أنا لا أقصد أحوال الطقس، فأنا زائر لموقع الرئاسة العامة في الشبكة العنكبوتية، وأتعرف على حالة الطقس الذي لا يتغير كثيرا، وإنما أقصد أحوال التغيرات المناخية والطبيعية التي باتت تضرب الأرض في أماكن متفرقة من العالم وتتهدد كل الكائنات، وبالذات الكائن البشرى، لا سيما أن الرئاسة تقول ''إن لها دورا بارزا في نشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع السعودي كافة، بما يعبر عن المنظور الوطني للتعامل مع البيئة وقضاياها عالميا''.
ولو كانت الرئاسة العامة للأرصاد تواكب التغيرات المناخية والتحولات الطبيعية العالمية التي باتت تزعج كل من يعيش فوق كوكب الأرض، لأقنعت الحكومة بضرورة تحويلها من رئاسة عامة إلى وزارة للبيئة.
وكنت قد كتبت مقالا في صحيفة ''الاقتصادية'' الموقرة أطالب بتغيير مسمى الرئاسة العامة إلى وزارة للبيئة، حتى تستطيع أن تنمي علاقاتها العربية والدولية بشكل أقوى وأفضل وسط تغيرات دراماتيكية في تضاريس الأرض.
ولقد أظهرت الصور الفضائية التي ترصد القطبين الشمالي والجنوبي، أن ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي يتم بوتيرة أسرع من المتوقع، حيث اتضح من خلال الصور انحسار واضح للجليد في مناطق سيبيريا وألاسكا وجوانب مختلفة من القطب الشمالي، وكان كل من الممر الشمالي الغربي، والمسار الشمالي مفتوحين أمام الملاحة خلال أيلول (سبتمبر) 2010.. كما تسجل درجة حرارة الهواء ارتفاعا ملحوظا منذ بداية الألفية الميلادية الثانية، وبلغت رقما قياسيا لتصبح الأشد على الإطلاق.
نقول، لقد تداولت وكالات الأنباء العالمية في الشهر الماضي أخبارا عن ذوبان الجليد الذي سيجعل الجزيرة العربية (المملكة العربية السعودية) ضمن المناطق الاستوائية الرطبة، ويجعل روسيا في قلب المناطق ذات الحرارة العالية، كما حدث لها بالفعل في صيف 2010، ويحضرنا بهذه المناسبة الحديث الشريف للرسول الكريم ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ الذي لا ينطق عن الهوى القائل: ''لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا''.
كذلك فإن الأقمار الصناعية ما فتئت ترسل صورا عن مجاري الأنهار التي تمتد كالشرايين في أعماق الجزيرة العربية، ويقول العلماء في تفسيرهم للتغيرات المناخية بأن الأقطاب المغناطيسية باتت تتعارض مع الأقطاب الجغرافية، ونتيجة لذلك تحولت إبرة البوصلة من الإشارة إلى القطب الشمالي، وأصبحت تشير إلى القطب الجنوبي.
وهذا كاف لإحداث اختلال في التوازن الطبيعي للكرة الأرضية، وهو ما أدى إلى حدوث الكوارث الطبيعية المروعة كالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات التي شهدتها خلال الأيام والسنوات القليلة الماضية إندونيسيا وهاييتى وباكستان وروسيا وغيرها من المناطق في أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية.
الأخطر من ذلك، أن بعض العلماء تكررت تحذيراتهم من أن كوكب الأرض سيتعرض خلال السنتين القادمتين إلى انفجار أكبر بركان في العالم، وهو البركان النشط الموجود في منطقة بول ستون بارك في وسط أمريكا، ويؤكد الجيولوجيون الأمريكيون أن الحمم المنصهرة من هذا البركان كافية لتغطية أمريكا كلها بالحرائق، والخطر الأكبر هو وصول هذه الحرائق إلى مخزون السلاح النووي الأمريكي، الذي إذا وصل ــــ لا سمح الله ــــ إلى المخزون، فإنه قادر على تدمير الكرة الأرضية بمن فيها وما فيها.
إن موضوع البيئة في القرن الـ21 أخذ منحنى يتصل بالوجود الإنساني فوق كوكب الأرض، حيث أصبحت وزارة البيئة الآن حتمية حياة وليست وظيفة مؤسسة بيروقراطية تعنى بالنظافة، لقد بدأت قضايا البيئة والتلوث تقلق العلماء ومراكز الأبحاث في كل أنحاء العالم، بل أصبحت قضايا التلوث التي ألحقت أضرارا بالغة بصحة البشر، والإضرار بالمحاصيل الزراعية، وتغيير مناخ وجغرافية الأرض، تقلق كل الحكومات في كل أنحاء العالم، لا سيما بعد أن ظهر الاحتباس الحراري في مناطق متعددة من الكرة الأرضية، وأخذ يفتك بالبشر، ويتهدد حياتهم ومعاشهم.
إن التقارير التي صدرت من المنظمات الدولية تؤكد أن نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو هو المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري، وهذا الغاز ارتفع إلى 380 جزءا في المليون، بعد أن كان 272 جزءا بالمليون قبل الثورة الصناعية، وهو ما أدى إلى ارتفاع درجة الأرض درجتين كاملتين، مقارنة بالوضع الذي كانت عليه قبل الثورة الصناعية.
إن التقرير الأخير الذي أصدرته الأمم المتحدة يتوقع أن ترتفع درجة حرارة الأرض بمعدل ثلاث درجات إلى أربع درجات في بعض الدول بحلول عام 2050، وهو ما يشكل زيادة غير طبيعية في حرارة الأرض، وإذا حدث هذا ــــ لا سمح الله ــــ فإن الحرارة ستتسبب في حدوث آثار كارثية على البشرية جمعاء، منها ارتفاع منسوب مياه البحار ما بين 34 و52 سم، ولا شك أن هذا التغيير السيئ في المناخ سيؤثر سلبا في الإنسان المكلف بعمار الأرض، وسيترتب على ذلك انخفاض في معدل النمو الاقتصادي، بل إن معدلات التنمية المستدامة في كل دول العالم ستتراجع.
الأخطر من كل هذا أن هذه التغيرات في طوبوغرافية الأرض وحرارتها أدت إلى تغيير دراماتيكى في خريطة الأمراض المنتشرة فوق الكرة الأرضية، فبعد أن أصبح كثير من الأمراض الفتاكة من مخلفات الماضي.. عادت هذه الأمراض بشراسة أكبر ومخالب أخطر، ولم تعد أدوية المضادات الحيوية التي اكتشفها الإنسان ــــ بعد جهد جهيد وسنوات طويلة وأموال كثيرة ــــ قادرة على القضاء عليها.
إزاء هذه التغيرات الدراماتيكية في أجواء الكرة الأرضية، كيف يصبح الإنسان السعودي واعيا بكل هذه التغيرات؟ وماذا يخفي لنا المستقبل؟ وما الأسرار التي يجب أن نعرفها عن أنهار ومروج جزيرة العرب؟ وكيف سنواجه هكذا تغيرات؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه المملكة العربية السعودية حتى تكون عضوا أمميا فاعلا في مواجهة الكوارث الطبيعية؟
أقول إذا كان الإنسان مكلفا من المولى ـــ عز وجل ـــ بعمارة الأرض، فإننا أمام هذه التغيرات المناخية والجغرافية (المصيرية!) التي باتت تنذر بإعادة هيكلة كوكب الأرض، نتساءل: أين الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي