استشراف مستقبل الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية
تعتبر الهيئات الشرعية واحدة من أبرز سمات المالية الإسلامية في العصر الحاضر، فقبل أن يروَّج لمنتج تقدمه المؤسسات المالية الإسلامية على أساس أنه متوافق مع الشريعة، إلا وتجد أن قرار الهيئة الشرعية مضمن لهذا المنتج.
وقدم الكثير من أعضاء الهيئات الشرعية منذ بدايات نشأة المصرفية الإسلامية بشكلها المعاصر جهودا كبيرة إلى أن وصلت هذه المؤسسات إلى هذا الحجم من النمو والنجاح.
كما هو معلوم، فإنه انعقدت ندوة ''مستقبل التمويل الإسلامي.. استشراف فرص الغد''، بالتعاون بين الأكاديمية العالمية لبحوث الشريعة ISRA والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب IRTI في كوالالمبور في الفترة من 17 إلى 19/11/1431هـ الموافق 25 إلى 27/10/2010، وحضر هذا التجمع مجموعة من الشخصيات الأبرز للهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية، وتركز النقاش في هذه الندوة على قضايا تتعلق بواقع التمويل الإسلامي، وركزت على قضايا، من أبرزها وضع الهيئات الشرعية؛ تقييما لوضعها الحالي واستشرافا لمستقبلها.
الهيئات الشرعية، كما نعلم اليوم، تقوم بدور بارز في إجازة المنتجات ليتم بعد ذلك تسويقها وتطبيقها من قبل المؤسسات المالية الإسلامية، فموقع عمل الهيئات الشرعية يتركز في الحلقة الوسطى بعد صياغة المنتج واكتمال الإطار النظري والقانوني، شاملا الدراسات الاقتصادية والمالية والمحاسبية، وقبل المرحلة التطبيقية للمنتج بعد إجازته من قبل الهيئة الشرعية.
الهيئة الشرعية في الغالب لا تشارك في صياغة المنتج في مراحله الأولية في إطار الإعداد، ولا ترى أن من مسؤوليتها التأكد من سلامة التطبيق؛ إذ إنه بعد مرحلة الإقرار فهناك جهة أخرى، وهي الرقابة الشرعية التي تباشر عملية سلامة تطبيق المنتجات للشريعة الإسلامية.
وكان هذا الدور مهما في المراحل الأولى لنشأة المصرفية الإسلامية؛ إذ إن اجتهادات غير المتخصصين في محاولة تقديم منتجات بديلة للمنتجات غير المتوافقة مع الشريعة، قد يعتريها الكثير من الأخطاء نتيجة لعدم المعرفة، لا الرغبة في التحايل وممارسة المعاملات المحرمة، ومن هنا كان للهيئات الشرعية دور في الحد من هذه الأخطاء.
لكن بطبيعة أي عمل فإن مسألة التطورات والتغيرات والنمو والتحسن والإقبال الكبير من الناس لا بد أن يقابلها تحسن وتطور وشيء من التغيير ومزيد من الاحترافية في العمل، وهذا انعكاس طبيعي لأي تطور في قطاع أو مجال، وكما هو معلوم فإن المالية الإسلامية شهدت خلال الفترة الماضية نموا كبيرا في أصولها ومؤسساتها، وأنشطتها، واتساع رقعتها الجغرافية، والتنوع في منتجاتها، وازدياد الاهتمام بها على المستوى العالمي، والفرص المستقبلية التي تنتظرها.
كل ذلك يدعو إلى التساؤل: هل آلية عمل الهيئات الشرعية بهذا الشكل الموجود اليوم تتلاءم مع المتغيرات التي سبق ذكرها؟
الحقيقة أن تصور الواقع يعين على الحكم في هذه المسألة:
فواقع الهيئات الشرعية يبرز وجود خبرات كبيرة نشأت مع المالية الإسلامية في بداياتها بشكلها المعاصر، وأسهمت في هذا النمو الكبير، وأن مجموعة من هؤلاء الأعضاء لديهم معرفة واسعة بهذا المجال، بل يعدون من الشخصيات الأبرز في مجال التمويل الإسلامي، ونجد أن غالبهم قد فرغوا أنفسهم بشكل كبير للعمل في الهيئات الشرعية، لكن في الوقت نفسه لا ننسى قضايا مهمة مرتبطة بآلية عمل هذه الهيئات، فالهيئات الشرعية اليوم تُعيَّن من قبل المؤسسات المالية الإسلامية؛ ليكونوا طرفا مستقلا في إقرار سلامة منتجات تلك المؤسسات ومطابقتها للشريعة، كما أنه مع إقبال المؤسسات المالية على الخبراء الأبرز في المجال نجد أن الكثير من الأشخاص البارزين أصبح لديهم مناصب يعتبرون ناشطين فيها تصل إلى المائة أو أكثر فيما يزيد على أكثر من 20 دولة حول العالم، في ظاهرة ـــ والله أعلم ـــ نادرة في العالم على مستوى كبار القيادات العالمية. يضاف إلى ذلك، وهو أمر مهم ورئيس، أن المعاملات المالية في تطبيقاتها المعاصرة معقدة جدا في كثير من صورها إلى درجة يصعب على كثير من المتخصصين فهمها وتحليلها، وتصورها الشرعي يتطلب تضافر جهود مضاعفة من قِبل متخصصين في مجالات متعددة مثل الاقتصاد والمالية والمحاسبة والقوانين المرتبطة بالمعاملات المالية، مع المهارة العالية في علوم الشريعة مثل الفقه وأصوله، خصوصا أن مجال التمويل الإسلامي يعتبر ناشئا.
والحقيقة أن عمل الهيئات الشرعية الحالي يعتريه الكثير من الفجوات بسبب عدم المشاركة في مرحلة الإعداد وصياغة المنتجات، ومرحلة التطبيق، إضافة إلى أن عمل الهيئات الشرعية بهذه الآلية يمثل نوعا من المخاطرة على المؤسسات التي تعمل معها. وذلك أن جهود هذه المؤسسات في إعداد المنتجات ينتابه شيء من القلق، حيث إنه لا يزال هناك احتمال أن أعضاء الهيئة الشرعية لن يجيزوه، وبالتالي فإن ذلك يمثل تكلفة وتفويت فرصة على تلك المؤسسات، وفي عالم المال فإن ذلك يمثل مخاطرة، وهذا قد يؤثر في كفاءة المؤسسات المالية الإسلامية ويحد من رغبتها في الابتكار.
التصور الذي يمكن أن يكون فاعلا ويعكس احتياجا ويلبي حجم النمو الذي تتطلع له التمويل الإسلامي، هو أن يكون الخبير الشرعي جزءا من صياغة المنتجات، لتقديم الدراسة الوافية والوقوف على التصور الفعلي للعقد والمشاركة في تقديم الحلول والابتكارات والتطوير، ثم بعد ذلك يشرف على عملية التطبيق بشكل عام، ويمكن أن يتم ذلك بالتواصل المستمر مع قسم الرقابة الشرعية، لتقييم الجانب التطبيقي للمنتج، سواء من خلال الآلية التي تتم بها داخل المؤسسة أو العلاقة بين المؤسسة والأطراف الأخرى مثل العملاء أو الأسواق العالمية أو المؤسسات الأخرى.
فالخلاصة: أن الهيئات الشرعية بوضعها الحالي لا يمكن الاستغناء عنها ليشكل ذلك فراغا في الجانب الشرعي للمؤسسات المالية الإسلامية، لكن آلية عملها الحالية ينبغي العمل على تطويرها، وأن يتحول عضو الهيئة مستقبلا إلى مستشار شرعي داخل المؤسسة يسهم في صياغة المنتج والإشراف على عملية التطبيق، وإقرار تطبيقها، والرقابة الخارجية تكون لجهات مستقلة كالبنوك المركزية؛ بناءً على معايير تشريعية وتنظيمية واضحة، تتم مراجعتها وتقييمها بشكل مستمر.