رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الصين تضاعف صادراتها 87 مرة إلى أمريكا خلال ربع قرن

بدأت الولايات المتحدة أول السبعينيات فتح العلاقات التجارية والسياسية مع الصين التي كانت مقطوعة منذ استيلاء الحزب الشيوعي على مقاليد الحكم في البر الصيني عام 1949، وذلك بعد الزيارة المشهورة التي قام بها مستشار الأمن الأمريكي في ذلك الوقت هنري كيسنجر. وكانت الولايات المتحدة تهدف من تعزيز العلاقات مع الصين إلى استغلال الفرص الواعدة للاقتصاد الصيني والحد من نفوذ الاتحاد السوفياتي المتزايد في ذلك الوقت، ولإكمال عملية الحصار والضغط التي مارستها الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي. وكانت الولايات المتحدة تعتبر الاتحاد السوفياتي أعظم تهديد استراتيجي تواجهه بعد الحرب العالمية الثانية. وحاولت الولايات المتحدة في ذلك الوقت استغلال النزاع الصيني ـــ السوفياتي على الحدود، بل تعميقه لإضعاف الاتحاد السوفياتي. ومع هذا فإن تحسن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة بصورة فعلية بدأ بعد وفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونج، الذي كان يتبع خطا اشتراكيا متشددا، ولم يكن ماو يثق بالولايات المتحدة التي كان قد وصفها بأنها نمر من ورق، بعد أن خاض معها حربا ضارية في شبه الجزيرة الكورية أسفرت عن مقتل نحو مليون صيني في بداية الخمسينيات من القرن الـ 20. ودعمت الصين بزعامة ماو فيتنام في حربها الشرسة مع الولايات المتحدة خلال الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الـ 20.
وبعد وفاة زعيم الثورة الشيوعية الصينية، بدأت الصين في التحول التدريجي إلى اقتصاد السوق، حيث فتحت أسواقها للاستثمارات الأجنبية، وأنشأت مناطق اقتصادية خاصة لجذب هذه الاستثمارات، وعدلت الصين قوانينها التجارية والاقتصادية بصورة تدريجية؛ حتى أصبحت بصورة فعلية تطبق سياسات السوق أو السياسات الاقتصادية الرأسمالية مع الإبقاء على الاحتكارات الحكومية تعمل جنبا إلى جنب مع شركات القطاع الخاص. وبدأت الاستثمارات الأجنبية بالتدفق إلى الصين وتعاظمت مع مرور الوقت حتى تجاوزت مستوياتها خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام 75 مليار دولار. وجاء تدفق الاستثمارات لاستغلال المزايا النسبية الضخمة التي تتمتع بها الصين مثل توافر يد عاملة رخيصة وبأعداد ضخمة، ووجود سوق داخلية هائلة ومتعطشة للسلع والخدمات، وانخفاض معدلات صرف العملة، وانفتاح الأسواق العالمية على السلع الصينية بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. وتلعب اقتصاديات الحجم دورا رئيسا لجذب الاستثمارات إلى الصين، كما أن شهية الشركات العالمية منفتحة على مستويات الاستهلاك المستقبلية الهائلة للصين، ولهذا تحاول الشركات العالمية الكبرى تأسيس وجود لها في الصين للوصول لأكثر من 1.3 مليار صيني. وتحاول الصين من خلال فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية فتح المجال أمام تدفق التقنية المتقدمة، ورفع حجم الصادرات، وتوفير فرص عمل لمئات الملايين من العمالة الزراعية التي تسببت التقنية الحديثة في خسارة أعمالها في الريف. ونجحت الصين في سياسات جذب الاستثمارات الأجنبية وفي رفع مستويات الاستثمار إلى مستويات قياسية؛ حتى أضحى الاستثمار أكبر جزء في الناتج المحلي الصيني، وتجري في الصين حركة استثمارات لم يسبق لها مثيل في التاريخ.
وبدأت نتائج الانفتاح الصيني على العالم، خصوصا الولايات المتحدة، في الظهور منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، فقد ارتفعت أحجام الصادرات بقوة التي دفعت بدورها معدلات النمو الاقتصادي إلى مستويات قياسية. وكما هو موضح في الجدول المرفق، ارتفعت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة من نحو أربعة مليارات دولار عام 1985 إلى أكثر من 100 مليار عام 2000. وتوالت صادرات الصين إلى الأسواق الأمريكية في الارتفاع حتى بلغت أوجها عام 2008، حينما وصلت إلى 338 مليار دولار، وهو ما يعني تضاعف صادرات الصين إلى الولايات المتحدة نحو 87 مرة، وذلك خلال ربع قرن. وارتفعت في الوقت نفسه صادرات الولايات المتحدة إلى الصين من نحو أربعة مليارات دولار في عام 1985 حتى بلغت نحو 70 مليار دولار عام 2008م (18 ضعفا)، لكن ارتفاع الصادرات الصينية بصورة أسرع من الصادرات الأمريكية جعل الصين تتمتع بفائض ضخم وصل إلى أكثر من 268 مليار دولار في عام 2008. وأدت الأزمة المالية العالمية إلى تراجع الناتج المحلي الأمريكي، الذي قاد إلى تراجع الواردات من الصين عام 2009، لكن تعافي الاقتصاد الأمريكي عام 2010م رفع الواردات من الصين، التي قد تسجل رقما قياسيا جديدا هذا العام.
وترى الولايات المتحدة أن سياسات الصين المتعلقة بتثبيت معدلات صرف عملتها مع الدولار الأمريكي تلعب دورا رئيسا في خفض أسعار السلع الصينية؛ ما يشجع على استيرادها ويعظم من العجز التجاري الأمريكي مع الصين. وترى الولايات المتحدة أن هذه السياسات تسهم في تردي مستويات نمو الناتج المحلي الأمريكي، الذي يقود إلى ارتفاع معدلات البطالة؛ ولهذا فإنها قد تضطر إلى الحد من الفائض الضخم الذي تتمتع فيه الصين في تجارتها مع الولايات المتحدة. وتدور محاولات لتقدير حجم الانخفاض الفعلي في معدلات صرف العملة الصينية مقابل الدولار. ويرى بعض المشرعين الأمريكيين ضرورة فرض ضريبة على الواردات من الصين تعادل مقدار الانخفاض الفعلي للعملة الصينية التي قد يصل إلى نحو 27 في المائة. ويرى البعض احتمالات قيام حرب عملات بين الصين والولايات المتحدة. وتطالب الولايات المتحدة الصين بضرورة رفع عملتها وتلوح بفرض ضريبة على وراداتها من السلع الصينية إذا لم يتم تعديل سعر العملة الصينية أمام الدولار.
وصدقت التوقعات السابقة عن نتائج الأزمة المالية العالمية التي استشرفت ارتفاع مطالب الحماية على المستوى العالمي بسبب تراجع الاقتصاد العالمي. وستحدد نتائج النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين مسيرة التجارة العالمية خلال الأعوام المقبلة، كما ستؤثر وبشكل جوهري في مسيرة الاقتصاد العالمي الذي سيؤثر بقوة في جميع دول العالم بما فيها المملكة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي