رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل المشكلة في الأفراد أم في السياسات؟

في أدبيات الاقتصاد العامة والتنموي خاصة، هناك جدل واضح حول مدى ارتباط الثقافة مع حركة المجتمع اقتصاديا، ومن ثم علاقة ذلك بدرجة التماسك الإداري (خططا وتنفيذا)، وفيما إذا كانت النخب قادرة على تحقيق التنمية فعليا أم أن هناك ضعفا عاما يترجم إلى محاولات هذه النخب تفادي المسؤولية والمراهنة على مرور الوقت؟ أحد مظاهر هذه الأوضاع هو الخلط بين دور الفرد والسياسة. هناك نزعة واضحة لدينا في التعويل على الفرد على حساب الحقائق المرتبطة بأهداف محددة.
أحد إفرازات الاقتصاد الريعي الثابتة، خاصة في نسختها العربية، هو تمكين الدولة الحديثة من الحفاظ على نماذج لم تعد صالحة لمواكبة العصر والمرحلة، ولكننا نصر عليها إما من حسن نية بسبب قوة الماضي والخوف من المستجد، وما يسميه البعض الحركة الداخلية الطبيعية، إذا الماكينة تعمل فلا تحاول إصلاحها، وإما بسبب تمكن الدولة مستخدمة العصا والجزرة. أحد المظاهر الثابتة في هذا التكوين هو أن العلاقات الشخصية هي مادة النموذج الإداري المتكيف مع الطبيعة الريعية، لذلك أتى التركيز على الأشخاص وليس على أنماط وأشكال السياسات والبرامج كأسلوب للعمل.
كلما ظهرت مشكلة وكلما تفاقمت أخرى سرعان ما يتجه البحث عن شخص كفء أو عدة أشخاص، وعلى شكل لجنة صغرى ومرة لجنة عليا أو إدارة جديدة، وكل هذا بحث عن فرد أو أفراد، ولكن البحث عن سياسات وبرامج جديدة قادرة على إحداث تحول جذري عادة لا يكون في الحسبان. لعل أفضل مثال على ذلك إشكالية الإسكان. في أبسط صورها دائما نبحث عن ذلك الفرد الكفء صاحب الشهادة العليا من الغرب والنزيه الأمين والوطني المخلص، ولكن توافر تلك الخصائص لا ينجز المهمة وفي الغالب كل مرة. قد يقول قائل إنك إذا لم تبدأ بأفراد بهذه الخصائص فكيف ستنجز المهام الصعبة المنوطة بتلك الوزارات المؤسسات والخطط الخمسية والميزانيات القياسية. ولكن التركيز على الأفراد هو بحث خادع وتركه ماض لم يعد يصلح لإدارة برامج تنموية هادفة مرتبطة بأهداف تنموية محدودة.
التنمية الحقيقية تتطلب نموذجا فكريا وقياديا وتنفيذيا يجعل من الفرد (مع أهمية الخصائص السابقة) وسيلة لتحقيق برامج التنمية وليس محور التركيز. ولا يمكن للفرد أو الأفراد أن يكونوا أهم من تنمية البلاد أو السياسات التنموية مهما عظمت تلك الخصائص لديهم، ناهيك عن سطحية قياس تلك الخصائص في المقام الأول. فهذه خصائص مطاطية في الغالب تعكس قدرة على التكيف أكثر منها قدرة على العمل المجرب والغني بالإنجازات وفيما إذا كانت لدى هؤلاء قدرات ذاتية مقومة حياديا.
في قلب هذه الإشكالية فقدان أخذ الخطط الخمسية على مستوى عال من الجدية نظريا وعمليا وحالة من التكيف البديل، نموذجا إداريا ماليا توزيعيا طبقا لرغبة ملحة في التكيف مع ما هو موجود. فهناك تركيز ثقافي على الفرد على حساب الجماعة، ولعل هذا ذا علاقة بأهمية الفرد في بيئة الصحراء على حساب العمل الجماعي. ولعل هذا امتد إلى التكنوقراطي الذي أصبح ذا كفاءة عالية في القدرة على الحفاظ على المنصب متفاديا أي سياسة أو برامج قابلة للنقاش الصحي والجدل فهو يعول بسهولة على الابتعاد عن النقاش والأخذ والعطاء لكيلا ينكشف. النتيجة العملية هي أن هناك خلطا واضحا بين الأمور المالية والاقتصادية، بين الفرد والمؤسسة، وبين الرغبة في الاستقرار والحاجة إلى التحول، وبين الإنجاز من عدمه. كل هذه الأعراض بسبب فقدان الأهداف المعقولة المحددة والتي يتفاداها الأغلبية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي