التربية المرورية أكثر من ضبط السرعة!
الطريق المكان العام الذي يتقاسمه الناس ويضطرهم إلى التعامل بشكل جماعي؛ ذلك بسبب سمة الطريق العمومية فلا يمكن أن يستثنى أحد من استخدامه أو أن يتم تجزئته وتوزيع خدماته على سكان المدينة، فاستهلاكه يكون استهلاكا جماعيا، أي أن الطريق شراكة بين جميع مستخدميه. هذه الحقيقة تشير إلى أن مستخدمي الطريق يؤثرون ويتأثرون بأسلوب قيادتهم وتصرفاتهم على الطريق، فالحوادث على الطرقات هي نتيجة حتمية لهذا الاحتكاك، وجميعنا خاض تجربة القيادة في الزحام، وغني عن القول ما يشاهد أثناء الازدحام المروري أوقات الذروة ـــ في المناسبات أو عند خروج الناس إلى أعمالهم ومدارسهم والعودة منها في وقت واحد ـــ من تصرفات غير لائقة وسلوكيات تخرج عن دائرة الأدب والتعدي باللسان، وربما بلغ الأمر التعدي الجسدي. الازدحام إنما يكون عندما يقرر الكثيرون استخدام الطريق في الوقت نفسه! والسبب في ذلك يعود إلى غياب خدمات جيدة ومقبولة للنقل العام يغني الناس عن استخدام مركباتهم الخاصة والسبب الآخر يتعلق بسوء استخدامات الأراضي وتوزيع الأنشطة التجارية والخدمية وعدم وجود مراكز خدمية في الأحياء تتضمن الخدمات التعليمية والصحية والتجارية الأساسية في معظم أحياء المدن. إن وجود الناس في حيز ضيق من المكان يؤدي إلى احتكاكهم ونشوء جوانب سلبية، من أهمها حوادث التصادم بين المركبات والتلوث البيئي والضغوط النفسية، فضلا عن الخسائر المادية التي يتكبدها الاقتصاد الوطني. وعلى أن الحوادث المرورية تكون أكثر احتمالية للوقوع في حال الازدحام، إلا أنه ليس العامل الوحيد المسؤول عن الحوادث على الطرقات، فعدم اتباع أنظمة المرور من أحد قائدي المركبات أو مجموعة منهم والتصرف بحماقة وجهل وإهمال ودون مبالاة وتحسب للأخطار وكأنهم يمتلكون الطريق وحدهم دون مراعاة لحقوق الآخرين السبب الرئيس وراء معظم الحوادث.
إن مفهوم الشراكة والمصلحة الجماعية مفهوم أساس وقوي في تطوير السلوك المروري، وأن الطريق من حق الجميع وأن ليس هناك أحد في منأى عن التأثير أو التأثر بالآخرين. التفكير الجماعي تفكير حضاري ينم عن النضج القانوني لدى أفراد المجتمع وإدراك تام أن عليهم التنازل عن جزء من حرياتهم من أجل الانضباط العام وأن القانون لحمايتهم ولمصلحتهم حتى إن بدا مقيدا لأهوائهم ورغباتهم الذاتية. الوقوف عند الإشارة الحمراء ـــ على سبيل المثال ـــ قد يكون نوعا من الكبت لحرية الشخص في حينها! لكن لو فكر بأفق أوسع وبمنطق أعمق لوجد أن الجميع في المقابل يتوقفون ليقطع الطريق عندما تضاء له الإشارة الخضراء. هذا الفكر القانوني الذي في جوهره يعني أن على الأفراد انتظار أدوارهم والوقف في الصف يحتاج إلى تربية مرورية تتعدى ضبط سرعتهم إلى جعلهم يحترمون القانون، بل يتشربونه ويكون جزءا لا يتجزأ من قيمهم الذاتية والاقتناع التام بأن النظام المروري إنما وضع من أجل مصلحتهم وسلامتهم وليس لتقييد حرياتهم. إنها ثقافة اجتماعية تزرع قيم احترام الوقت والإنتاجية والتخطيط لأداء الأعمال والتحسب للمستقبل لا العيش بعشوائية مفرطة وأنانية مقيتة دون النظر إلى الأمور من زاوية المصلحة المشتركة. غياب هذا التفكير القانوني والعقلاني يقود نحو الفوضى المرورية وعدم الانضباط بصورة تصرفات طائشة وسلوكيات جنونية حمقاء من البعض ـــ إن لم يكن الأكثرية ـــ على الطريق لعلهم يدركون موعدا أو حتى الشراء من متجر قبل الإغلاق أو ربما كانت فقط ممارسة تحدي الآخرين بعقلية ابن الأكرمين وأنه يجوز له ما لا يجوز لغيره أو إثبات الذات بجهالة، كل ذلك تصرفات حمقاء، والحمق داء ليس له دواء. البعض ما زال يقود مركبته وكأنه يقود بعيرا في صحراء واسعة دون قيد أو شرط وبعقلية إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب؛ ليتحول الطريق إلى ساحة مبارزة وحرب ضروس بين مستخدميه، كل يتسابق على احتلال مراكز متقدمة على الطريق تماما بالعقلية ذاتها التي كان الناس يتنازعون فيها على مواقع المياه والكلأ.
السؤال إذاً، لماذا لا يحترم الكثيرون الأنظمة المرورية؟! ولماذا هذا الانفلات المروري في الطرقات؟! وهل برنامج ''ساهر'' لضبط السرعة قادر على إعادة تثقيف العموم بالسلوك الحضاري على الطريق؟! هذه تساؤلات كبيرة والإجابة عنها متشعبة ومعقدة، لكن يجب طرحها ومناقشتها بشفافية من أجل الارتقاء ـــ ولا أقول تحسين ـــ بالوضع المروري داخل المدن، فالوضع لم يعد يحتمل، وهو بكل تأكيد لا يتناسب مع مكانة السعودية الاقتصادية وثقلها السياسي وثقافتها الإسلامية. الإشكالية عندما تتم معالجة المشكلات بالتجزئة دون وضع حلول شاملة ودون النظر إلى عملية التطوير أنها منظومة متكاملة وأنه لا يمكن تحقيق تغيير نوعي والارتقاء بمستوى المرور دون الأخذ في الاعتبار الأهداف والغايات العليا التي يلزم تحقيقها، ومن أهمها تطوير الثقافة المرورية لدى العموم. هذه الحلول الجزئية مثل الحد من السرعة على الطرقات قد يكون لها تأثير إيجابي على المدى القصير، لكن تختزل السلوك المروري في السرعة على الطريق وتجذر لمفهوم الرقابة الخارجية على حساب الرقابة الذاتية ليتعزز ثقافة إذا لم تكن مراقبا فافعل ما تشاء! ما يلزم في الحقيقة هو البدء بسلوكيات وتصرفات ومركبات رجال المرور ليكونوا قدوة حسنة للآخرين ومثالا يحتذى؛ إذ كيف يعقل أن يحترم العموم أنظمة المرور؟! إذا كان هناك بعض رجال المرور يقومون بمخالفته! رجل المرور يجب أن يدرك أنه رجل قانون في المقام الأول وليس رجلا عسكريا وحسب! وربما وجب تدريبه في هذا الاتجاه. كم من المخالفات المشاهدة ترتكب أمام ناظري رجل المرور وهو ماكث في مركبته لا يحرك ساكنا! البيئة المرورية العامة مثل العلامات والإشارات المرورية على الطريق هي الأخرى يجب أن تكون على أساس من المعايير العالية وتتم صيانتها بشكل دوري. كما يلزم مراقبة الطرقات الرئيسة وتنفيذ النظام بكل حزم على الجميع دون استثناء. وقد يكون هذا مربط الفرس ورأس المشكلة، وهو عندما يكون الاستثناء هو القانون! ما نحتاج إليه هو تربية مرورية وثقافة احترام القانون من خلال القدوة الحسنة لرجل المرور وأسلوب تطبيق النظام وفاعلية الإجراءات ومعالجة القضايا المرورية من خلال منظومة شاملة ومتكاملة.