اسحبوا جوائز «نوبل» من الاقتصاديين الغربيين!
برغم أننا لا ننكر بأننا ننعم في خيرات الحضارة الغربية، كما لا ننكر أن الغرب حقق للإنسانية الكثير من الإنجازات التي طورت أنماط الحياة فوق كوكب الأرض.. إلاّ أننا لا نستطيع أن ننكر أن الغرب هو الذي خرّب الحياة فوق كوكب الأرض.. هو الذي صنع أسلحة الدمار الشامل، وهو الذي جاء بالحروب والمخدرات وغسيل الأموال ونشر الفساد بكل أشكاله وألوانه، كذلك جاء الغرب بالأوزون وأزال المحيط المتجمد الشمالي وتسبب في التغيرات المناخية المدمرة.
أمّا بالنسبة إلى الاقتصاد، فإن الاقتصاديين الغربيين هم الذين برعوا وسيبرعون في تخريب الاقتصاد العالمي، ونعرف جميعا أن عديدا من علماء الاقتصاد الغربيين تقدموا بنظريات أقل ما يقال عنها إنها نظريات ناقصة ومغلوطة، والمؤسف أننا حينما َنتّهم نظرياتهم الاقتصادية بالقصور يردون ويقولون إن ما يعيب الاقتصاد يعيب العلوم الإنسانية جميعها، وعلم الاقتصاد هو علم من العلوم الإنسانية التي تنال هامشا من الخطأ المقبول والمعذور.
ولكن يبدو أن الكيل طفح وأصبح هامش الخطأ ـــ في المجالات الاقتصادية ـــ يتجاوز هامش الصواب حتى تورط الاقتصاد في الأزمة المالية العالمية وما لحقها من أزمات تتهدد الاقتصاد الدولي في هذه الأيام، بل تتهدد الحضارة الغربية كلها، وآخر الأزمات التي يتعرض لها الاقتصاد الدولي هي أزمة حرب العملات التي كانت في مقدمة أجندة مجموعة العشرين التي اجتمعت في الأسبوع الماضي واتخذت قرارا عاجلا بإيقاف هذه الأزمة التي لو تمادت، فإنها ستورط الاقتصاد العالمي في حروب اقتصادية لا يعلم مداها إلاّ الله.
في الأسبوع قبل الماضي اقترح أحد علماء الرياضيات المالية تقديم نُظّار وقف جوائز نوبل للمحاكمة؛ لأنهم ضللوا الإنسانية بمنح جوائز نوبل في الاقتصاد لاقتصاديين تقدموا بنظريات أثبتت التجارب عدم دقتها وجديتها، الأكثر من هذا أن الاقتصاديين يختلفون في نظرياتهم إلى مستوى التناقض الكامل، وهم لذلك يضعون المجتمعات الإنسانية في حيرة ومأزق.
إن الخلافات كثيرة وعديدة بين الاقتصاديين، فبينما عالج البريطاني جون ميرند كينز الأزمة الاقتصادية العالمية بضرورة أن تتدخل الحكومات وتقدم التسهيلات المالية والقروض لمن يحتاج إليها مع الاتجاه نحو زيادة الإنفاق الحكومي، فإن الأمريكي ملتون فريدمان انتقد بحدّة النظرية الكنزية وطالب الحكومات بعدم التدخل في الأسواق، ودعا إلى ترك الأسواق تحل مشاكلها بنفسها دون أن تتدخل الحكومات.
ولقد بنيت توجهات هذه المدرسة على فرضية أن سلطة الدولة قد ضعفت نتيجة انتقال مركز ثقل القرار إلى الأسواق العالمية الواسعة التي تتطلب وجود شركات عملاقة متعددة الجنسيات تكون مصدر التوازن الجديد في العالم، وعليه يصبح الاقتصاد وليست السياسة هو صانع الأحداث في العالم على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، وهي الأفكار التي عبَّر عنها في أوائل التسعينيات فرانسيس فوكوياما في كتابه عن نهاية التاريخ، وأغرق العالم منذ ذلك الحين بكم هائل من الدراسات والمقالات التي تؤكد وحدانية السوق التذي فتحت المجال فيما بعد أمام النصابين والانتهازيين لدخول السوق والغوص فيها والسرقة عيانا بيانا حتى سقط الاقتصاد العالمي في أتون الأزمة المالية العالمية. ولقد استخدمت الشركات متعددة الجنسيات آليات عدة لإحكام سيطرتها الاقتصادية والسياسية، ومنها التكنولوجيا والحجم الكبير، ثم حقوق الملكية كشكل قانوني لحماية الاحتكار بدعم من منظمة التجارة العالمية التي استخدمت استخداما سيئا في إطار دعم نظرية السوق.
وفي هذا الإطار أصبحت نظرية السوق شعارا تتغنى به كل الدول في وسائل إعلامها وتعلقه وساما على صدرها كما كانت تعلق على صدرها شعار الديمقراطية الذي لا يزال شعارا محنطا، ويجب أن نسلّم بأن عصر العولمة بات عصرا مشكوكا فيه؛ لأن الأزمة التي ضربت الاقتصاد الأمريكي هي نتيجة سياسات أمريكية خاطئة فتحت المجال أمام اللصوص لسرقة أموال الناس بشعارات السوق البراقة، ولا ذنب لجميع دول العالم فيما تورطت فيه الإدارة الأمريكية من سياسات خرقاء كان من نتائجها أن وصل حال الاقتصاد الدولي إلى ما وصل إليه من تصدع لكبريات المصارف والشركات؛ ولذلك في المحصلة المؤسفة أن أمريكا ارتكبت الأخطاء، وأن العالم هو الذي يدفع الثمن مع أمريكا.
إذا استعدنا قراءة الأزمات المالية العالمية نجد أن الجامعات تلعب دورا مهما ورئيسا في تصميم النظريات الاقتصادية التي تفسر أسباب الأزمات ووسائل علاجها، ونذكر ـــ على سبيل المثال ـــ أن النظرية التي عالجت أزمة الكساد الكبير في عام 1929 خرجت من رحم جامعة كمبردج البريطانية على يد الأستاذ الكبير جون ميرند كينز، وحينذاك وضع كينز وزملاؤه تفسيرا موضوعيا لأسباب الأزمة الاقتصادية وطرق معالجتها.
كما أن نظرية اقتصاديات السوق في قالبها الجديد التي يتبناها النظام الرأسمالي الحالي هي نظرية جاءت من رحم جامعة شيكاغو على يد الأستاذ ملتون فريدمان الذي عرف عنه انتقاده اللاذع لنظرية كينز ومطالبته بعدم تدخل الحكومات في الأسواق وترك الأسواق تحل مشاكلها بنفسها دون أي تدخل من الحكومات.
ولذلك يطالب بعض المتضررين من الأزمة المالية العالمية بضرورة رفع قضايا ضد القيّمين على جائزة نوبل؛ لأنهم منحوا الجوائز من لا يستحقها، منحوها أشخاصا لم يقدموا دراسات جيدة ورصينة تخدم الاقتصاد الدولي، وهم لذلك غير جديرين بهذه الجوائز، الدكتور نسيم نيقولا أستاذ علم الرياضيات المالية.. أنحى باللائمة على القيّمين على جائزة نوبل وحمّلهم مسؤولية منح جوائز نوبل اقتصاديين تسببت نظرياتهم في انهيار الاقتصاد العالمي، وتوعد بمقاضاتهم، بل حرّض كل الذين تضرروا من الأزمة المالية بمقاضاة القيّمين على جوائز نوبل؛ لأنهم قدّروا أعمالا لا تستحق التقدير.
ونستطيع أن نستنتج من اجتماع مجموعة العشرين المومأ إليه أن الاجتماع أوضح أن الأزمة هي أولا وأخيرا أزمة في النظام الرأسمالي، وبشكل محدد فإنها أزمة في النظام الرأسمالي الملتزم بالأيدولوجية المعروفة باسم الليبرالية الجديدة، وهنا تبرز أهمية فهم معنى الأزمة في النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة بشكل خاص وفي العالم بشكل عام.
ومعنى ما تقدم أن الأزمة المالية العالمية ما زالت تنتظر دورا مهما من مراكز البحوث في الجامعات، تماما كما حدث في عام 1929، حينما تصدت جامعة كمبردج البريطانية وتقدم جون كينز وحسم الخلاف الأيدولوجى والسياسي وقدم نظرية اقتصادية نقدية تم على يديها الخروج من نفق الكساد الكبير.