الحوار الوطني من المهم إلى الأهم
يمثل إنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني نقطة انطلاقة نحو ثقافة جديدة في تناول الموضوعات والقضايا العامة، وهو شاهد على عزيمة القيادة السياسية الحكيمة في التحول نحو تعزيز المشاركة الشعبية والبحث عن نهج جديد لصياغة رؤية مشتركة ووضع توافقي نعبر من خلاله كمجتمع إلى آفاق أوسع من التطور السياسي والحضاري والتقدم الاقتصادي والصناعي. إنها حكمة البيت السعودي والقدرة الفائقة على استيعاب المتغيرات والمستجدات واحتوائها وتطوير أسلوب إدارة الاختلاف على أساس من حرية التعبير والبحث عن الأفضل وتحقيق المصالح العليا للوطن. هكذا يكون الاختلاف نعمة وعنصر بناء وتجديد يدفع نحو التكاتف والتكامل والتعاون والتعلم والإبداع. إنه الإدراك التام أننا جميعا نعيش في السفينة نفسها، وأن الكل أفرادا وجماعات ومؤسسات على اختلاف مستوياتهم وتوجهاتهم مسؤولون عن سلامتها وأمنها والعمل على تجنيبها الأمواج العاتية بتغليب المصلحة الوطنية والأهداف بعيدة المدى على المصالح الذاتية الآنية. هذا يتطلب التفكير الجاد في الأجيال القادمة وتهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لإكمال المسيرة التنموية التي بدأها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن ـــ رحمه الله. ما نحتاج إليه في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة هو نبذ الخلافات على جميع الصعد والمستويات والالتفات إلى رسم المستقبل، فبناء الوطن يحتم إيجاد معادلة تضمن تحقيق التوازن وتوزيع الأدوار والمسؤوليات بوثيقة وطنية تكون بمنزلة البوصلة التي تحدد الاتجاه الصحيح وخريطة يلتف حولها الجميع وتحدد معالم الطريق للأجيال القادمة؛ ليكون المجتمع على بيّنة من الأمر ويقود في نهاية المطاف إلى تعزيز الاستقرار والوحدة الوطنية.
إن قدرتنا كمجتمع على التماسك والتلاحم في مواجهة التحديات واقتناص الفرص تكمن في وضوح الرؤية وسلاسة الانتقال من مرحلة تنموية إلى أخرى، والاعتراف باستحقاقات كل مرحلة ومتطلباتها والعمل على تحقيقها حتى إن استلزم الأمر اتخاذ قرارات جريئة وصعبة. هذا يعني القيام بصناعة المستقبل وتحديد ملامحه، وهو أمر ليس بالسهل، ومكمن صعوبته أنه يتطلب إدراك الخيارات المتاحة والبحث عنها ومواجهة المستقبل المجهول بشجاعة بالإعداد له، بل حتى تشكيله بتبني نظرة واضحة ومواقف صارمة ووجهة محددة تستند إلى قيم العدالة والشفافية والجدارة والإنتاجية والحكمة. لم يعد مسوغا، لا من الناحية المنطقية ولا العملية، أن تترك الأمور تسيّرها الأحداث أو الاعتقاد أن الزمان كفيل بإصلاحها والتصرف وكأننا نعيش في عالم ثابت وبيئة مستقرة، بعيدين كل البعد عن تلك المتغيرات السريعة التي تعصف بالعالم أو المستجدات والتطورات التي نشهدها على الساحة الداخلية. التطوير أمر ضروري لاستيعاب التغيرات فما كان بالأمس مقبولا وصالحا لم يعد كذلك؛ لأن المعطيات والظروف التي خلقت الأوضاع السابقة تغيرت وكان لا بد من إيجاد أوضاع جديدة تتناسب مع المستجدات.
إن أخطر ما نواجهه من تحد هو عدم إدراك تلك التغيرات التي راحت تتراكم مع الزمن دون أن نلقي لها بالا لتتحول إلى طود كبير، وحينها يكون من الصعب التعامل معها وتكون وبالا وشرا مستطيرا. هذه التغيرات ربما نظرنا إليها على أنها صغيرة بالبعد الزمني ولم نهتم بشأنها، لكن في حقيقتها كبيرة وقادمة باتجاهنا تكاد تدهسنا ونحن في غفلة عنها، تماما كما البارجة الضخمة التي تبدو صغيرة جدا في الأفق البعيد أو حتى لا نكاد نراها، إلا أنها تكبر وتظهر على حقيقتها كلما اقتربت مع الوقت نحونا! التعامل مع هذه التغيرات يتطلب أن يكون بوعي وحكمة وجدية والتزام تام بالثوابت الوطنية والحكمة السياسية التي أرسى دعائمها الملك عبد العزيز لتكون نبراسا ومرشدا في الانتقال إلى مرحلة جديدة تسلم فيها الراية إلى أجيال المستقبل ليكملوا مسيرة التنمية والنماء والأمن والأمان والاستقرار والحفاظ على مقدرات الوطن ومكتسباته وسلامته. التطوير المنشود يلزم أن يكون جوهريا استباقيا جادا يعد العدة للمستقبل على أساس من الألفة وتحقيق المصالح العليا للوطن ليفوّت الفرصة على أولئك الانتهازيين الذين يضمرون الشر للوطن وقيادته ويتربصون بنا الدوائر تعرفهم في لحن القول فقد بدت البغضاء في أقوالهم وأفعالهم. إن ما يهدد أمننا واستقرارنا واجتماعنا هو إدارة الطوارئ وأن تكون قراراتنا ردة فعل إزاء الأحداث التي تأخذنا على حين غرة.
الحوار الوطني آلية لأخذ الحيطة والحذر والتعرف من كثب على ما يلزم عمله في التوقيت المناسب. القضايا التي تواجهنا متفاوتة ومتنوعة وذات مستويات مختلفة في الأهمية والتأثير؛ ما يتطلب أن يكون الحوار على مستويات عدة، ولا يلزم أن يختزل في مستوى واحد. كما يلزم أن تكون القضايا التي تتم مناقشتها هي تلك القضايا التي يكتنفها الغموض وتكون محل جدل واختلاف، فالقصد من الحوار هو توضيح التوقعات وتقريب وجهات النظر وخلق رؤية مشتركة وتحقيق المصالح العليا والحساسة وذات التأثير الكبير في الوطن. الحوار وسيلة وليس هدفا في حد ذاته ونجاحه يعتمد على مناقشة ما لم يكن ليناقش وجعل ما لم يمكن مناقشته قابلا للنقاش! هو وسيلة للتعلم وإحداث تغيير يلبي احتياجات مجتمعية ملحة وحاضرة بقوة وليس ترفا يمنحنا إحساسا خادعا بالتطور وشعورا غير صادق بأننا نقوم بما يجب القيام به. لقد حان الوقت لأن نتصدى للقضايا المصيرية وجها لوجه دون محاباة او مجاملة أو التظاهر بأنها ليست موجودة، عندها فقط يكون الحوار فاعلا ومؤثرا ويحقق تطلعات وطموحات المواطنين، ليقفوا صفا واحدا وراء قيادتهم التي ارتضوها كأنهم بنيان مرصوص لا يستطيع الأعداء اختراقه أو النيل من وحدته التي هي رأس الأمر ومدار وجودنا وهويتنا. هذا هو الأهم الذي يجب أن يكون محور حوارنا وأولويتنا الوطنية، أما بقية القضايا فتأتي تباعا. ربما شاغلتنا القضايا الآنية عن رؤية القضايا الأهم؛ لأنها الأكثر إلحاحا ووضوحا والأسهل تعاملا، لكن ما لا نراه قد يكون أهم وأخطر مما نراه، وهذا بيت القصيد، فالحوار الوطني يفترض أن يجلي الصورة ويضع الأمور في نصابها بقراءة الواقع والتنبوء بالمستقبل بشفافية ومصداقية، فالحوار حوار مصيري عن الوطن ومستقبله وكينونتنا.