ضغوط تصاعدية على أسعار النفط .. وانتعاش حذر على الطلب
لقد شهد أيلول (سبتمبر) الماضي انتعاشا كبيرا في إمدادات النفط العالمية، حيث ارتفع المعروض العالمي من النفط إلى أكثر من 87.0 مليون برميل يوميا، أي بزيادة تقدر بنحو 1.0 مليون برميل يوميا على آب (أغسطس)، عودة حقول بحر الشمال وأمريكا الشمالية إلى الإنتاج بعد موسم الصيانة عزز من هذه الزيادة. هذا المستوى من الإنتاج أيضا أكثر من المستوى الذي كان عليه في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي بنحو 2.0 مليون برميل يوميا وهو أعلى مستوى له منذ تموز (يوليو) 2008.
عودة الانتعاش الاقتصادي في دول منظمة التعاون الاقتصادي، ولو بصورة غير كاملة، والنمو الاقتصادي المستمر في الاقتصاديات النامية، عزز من قابلية الأسواق لاستيعاب هذه الزيادة في الإنتاج، حيث كان الطلب العالمي على النفط في أيلول (سبتمبر) مساويا تقريبا للإمدادات. إنتاج ''أوبك'' من النفط الخام ارتفع في الشهر الماضي بنحو 0.3 مليون برميل يوميا، مدعوما بزيادة الإنتاج من العراق.
الإمدادات من خارج ''أوب'' ارتفعت في أيلول(سبتمبر) أكثر من 0.6 مليون برميل يوميا مقارنة بـ آب (أغسطس). عودة منظومة حقل فورتيسForties system في المملكة المتحدة إلى الإنتاج بعد أعمال صيانة ثقيلة شكل جزءا مهما من هذه الزيادة، حيث أسهم بنحو 225 ألف برميل في اليوم. النرويج أضافت نحو 80 ألف برميل في اليوم فقط، حيث إن أعمال الصيانة هناك ما زالت مستمرة. إنتاج الولايات المتحدة ارتفع بنحو 125 ألف برميل في اليوم، ذلك أن انعدام التوقفات نتيجة موسم الأعاصير في خليج المكسيك ساعد في استقرار معدلات الإنتاج من ألاسكا في أعقاب الانتهاء من أعمال الصيانة الصيفية.
البيانات الأولية الرسمية الروسية تظهر أيضا قفزة حادة في الإنتاج الروسي من مشروع سخالين الأول، حيث كان متوسط معدل الإنتاج في أيلول (سبتمبر) يقدر بنحو 125 ألف برميل يوميا مقابل 30 ألف برميل يوميا فقط في آب (أغسطس). لكن معظم الزيادة في الإنتاج الروسي قوبل بأعمال صيانة في حقل كاراتشاجاناك في كازاخستان وانخفاض الإنتاج من حقل تنجيز Tengiz، والصيانة الموسمية لخط أنابيب باكوـ تبيليسي ـ جيهان. الهند انضمت أيضا إلى المساهمين في ارتفاع الإنتاج في أيلول (سبتمبر) بنحو 20 ألف برميل يوميا من حقل مانجالا، في حين أضافت كولومبيا نحو 25 ألف برميل يوميا. أما البرازيل، المساهم التقليدي في إنتاج الدول من خارج ''أوبك''، أسهم بنحو 40 ألف برميل يوميا.
من المتوقع أن يستمر النمو في الإنتاج لبقية عام 2010، حيث إن عددا من المشاريع الكبيرة من المتوقع أن تبدأ الإنتاج في الريع الأخير من هذا العام، مع استمرار تزايد الإنتاج من المشاريع التي بدأ الإنتاج منها في وقت سابق من العام، لكن وتيرة النمو من المتوقع أن تكون أقل في الفترة السابقة. من المتوقع أن ينمو الإنتاج من خارج ''أوبك'' بنحو 0.9 مليون برميل يوميا في 2010، أما في العام المقبل فإن وتيرة النمو في الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج دول منظمة أوبك من المتوقع أن تتباطأ، وذلك لأن عدد المشاريع الجديدة المخطط لها أن تبدأ بالإنتاج في عام 2011 أقل نسبيا من العام الحالي، مع ذلك لا يزال من المتوقع أن يرتفع إنتاج النفط في العام المقبل بنحو 0.4 مليون برميل يوميا على أقل تقدير. إن الارتفاع المتوقع في الإنتاج من خارج ''أوبك'' خلال عام 2010 يفوق مجموع النمو في الإمدادات فيها خلال فترة السنوات الأربع من 2004-2008، يعود ذلك أساسا إلى تأخر بعض المشاريع نتيجة الركود الاقتصادي والانخفاض في أسعار النفط. إضافة إلى ذلك، إنتاج دول منظمة أوبك من سوائل الغاز الطبيعي والمكثفات النفطية والسوائل النفطية غير التقليدية من المتوقع أن ينمو أيضا بنحو 0.5 مليون برميل يوميا في عامي 2010 و2011.
مع استمرار حالة عدم اليقين بخصوص الاقتصاد العالمي، الطلب العالمي على النفط ما زال ينمو بصورة جيدة ولكن بحذر وتباين في التوقعات بين المنظمات الكبيرة. الطلب العالمي على النفط عاد تقريبا قرب المستويات التي كان عليها قبل الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ومع بقاء ثلاثة أشهر على انقضاء عام 2010، من المتوقع أن ينمو إجمالي الطلب العالمي على النفط في العام الحالي بنحو 1.3 مليون برميل يوميا في المتوسط. هذا من شأنه جعل عام 2010 في المرتبة الثانية بعد عام 2007 من حيث أعلى مستوى سنوي في الطلب العالمي على النفط. استنادا إلى متوسط التوقعات الحالية، الطلب العالمي على النفط من المتوقع أن ينمو بنحو 1.25 مليون برميل يوميا في العام المقبل. بهذا النمو، الطلب العالمي على النفط سيحقق مستوى قياسيا جديدا معوضا عامين من الانكماش. البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي Non-OECD تبقى من أهم المساهمين في نمو الطلب العالمي على النفط، على رأسها الصين والهند ودول الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. أما في دول منظمة التعاون والتنمية فإن الطلب الكلي على النفط فيها قد توقف عن الانخفاض. يعود السبب بصورة رئيسة إلى عودة نمو الطلب على النفط من جديد في أمريكا الشمالية، بعد عامين من تراجع الطلب.
أما بخصوص أسعار النفط، بعد أسابيع من تذبذبها قرب 75 دولارا للبرميل، ارتفع سعر النفط الخام خلال اليومين الأخيرين من التداول في أيلول (سبتمبر)، وفي اليوم الأول من تداول تشرين الأول (أكتوبر)، ليغلق عند نهاية الأسبوع فوق 80 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ العاشر من أب (أغسطس). عقود تشرين الثاني (نوفمبر) للنفط الخام القياسي الأمريكي، ارتفعت بما مجموعه 5 في المائة في اليومين الأخيرين من أيلول (سبتمبر)، حيث وصل سعر الخام الأمريكي الخفيف الحلو إلى نحو 80.2 دولار للبرميل خلال تعاملات اليوم في 30 أيلول (سبتمبر)، قبل أن يغلق قرب 79.97 دولار للبرميل، أي بزيادة 2.11 دولار للبرميل في بورصة نايمكس، على ضوء تقارير تشير إلى انخفاضات كبيرة غير متوقعة في مخزون الولايات المتحدة من المنتجات النفطية وغيرها من البيانات الاقتصادية الإيجابية، ما شجع على زيادة حركة التداول. حيث أشار تقرير إدارة معلومات الطاقة إلى انخفاض في مخزون الولايات المتحدة، حيث تراجع مخزون النفط الخام بنحو 0.5 مليون برميل إلى 357.9 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 24 أيلول (سبتمبر)، ومخزون البنزين بنحو 3.5 مليون برميل إلى 222.6 مليون برميل، ومخزون وقود نواتج التقطير انخفض بنحو 1.3 مليون إلى 173.6 مليون برميل. كما أن ضعف قيمة صرف الدولار الأمريكي أمام سلة من العملات وارتفاع نشاط الصناعات التحويلية في الصين عزز سعر إقفال سعر النفط بنحو 2 في المائة ليقفل عند 81.58 دولار للبرميل في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري. في نهاية الأسبوع الأول من تعاملات تشرين الأول (أكتوبر)، ارتفع الخام الأمريكي بنحو 6.6 في المائة، وهي أكبر مكاسب له في أسبوع واحد منذ منتصف شباط (فبراير) الماضي. في الأسبوع نفسه، أعلنت الحكومة الأمريكية انخفاض عدد مطالب البطالة الأولية والتي فاقت التوقعات، هذا الإعلان أسهم في تعزيز حركة الأسواق التصاعدية. حالة الطوارئ التي أعلنت في الإكوادور أسهمت أيضا، بصورة أو بأخرى، في الضغوط التصاعدية على أسعار النفط الخام.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.