أفغانستان: هل يستطيع الغرب التفكير خارج الصندوق؟
الواضح من متابعة الأوضاع في أفغانستان على مدى السنوات التسع الماضية أن الاستراتيجية الغربية في حالة ارتباك ولم يبق لدى القادة من رؤية أو حلول سهلة. ومن يلومهم فهي حرب قبلية وحتى أيدها الأغلبية في الغرب انتقاما لتواجد القاعدة في أفغانستان أثناء أحداث 11/9 ولكنها أيضا حرب أهلية بين الأفغان امتدادا لما قبل 11/9 وهي حرب بالوكالة من قبل باكستان خوفا من تطويقها من قبل الهند وتداخل العلاقة بين البشتون الأغلبية في أفغانستان (لكنها غير ساحقة) وحقيقة أن أغلب البشتون في باكستان، وكذلك موقف إيران المنفصم الشخصية فهي من ناحية راغبة في هزيمة حكومة سنية وهي كذلك راغبة في تورط أمريكي يدمي أمريكا ويبعدها عن مناطق النفوذ الإيراني وأخيرا تململ غربي من الخسائر البشرية والمالية للحرب. ليس أبلغ من هذا الارتباك من إعلان الإدارة الأمريكية الرغبة في الانسحاب في منتصف العام القادم، إعلان من هذا النوع يقول لقادة طالبان: انتظروا أقل من سنة وستنفرج الأمور ويقول لحكومة أفغانستان: النهاية قريبة. نظرا لعقم هذه السياسات حان الوقت للتفكير خارج الصندوق.
الحالة اليوم أن فوز طالبان بتحرير بلادهم من الغزو (وليس بالضروري الانخراط في حرب أيديولوجية ضد الغرب وهي هنا لا تختلف كثيرا عن خلط الأيديولوجيا بحرب التحرير أثناء حرب فيتنام) ليس ببعيد. كذلك أسهم الغرب وخاصة أمريكا في خسارة الأفغان بإهمالهم بعد طرد الغزاة الروس والآن بغزو بلادهم وما تبعه من فشل في إحلال السلام والحكم الرشيد والتنمية. حان الوقت لإعادة ترتيب الأوضاع من خلال اتفاق استراتيجي يغير اللعبة شكلا ومضمونا. يعرف الجميع أنه أثناء حكم طالبان لأغلب أفغانستان تم إيقاف تجارة المخدرات والحد من الفساد الإداري.
يقابل ذلك حالة من الشكلية الديمقراطية اليوم التي لم تجلب لا حكما رشيدا ولا أمنا بل ازديادا في تجارة المخدرات كما تذكر المؤسسات الغربية الرسمية. الحل يكمن في اتفاق استراتيجي شامل Grand Bargain يتم بموجبه أن يقبل الغرب بعودة طالبان إلى مقاليد السلطة في بلادهم ومساعدتهم اقتصاديا مقابل عدم التعاون مع القاعدة وأي تنظيم يرغب في الاعتداء على دول أخرى. بهذا الحل سيقوم الغرب بـ ''خدمة الأفغان'' وإنهاء الصراع قبل أن يستفحل العداء والدور الأجنبي في المقاومة الأفغانية وستفقد إيران إحدى الوسائل لتفادي استحقاقات الأسلحة الذرية وستطمئن باكستان، ولعلها بهذا تستطيع تنظيم بيتها الداخلي والابتعاد عن التشنج في العلاقة مع الآخر وتتفرغ لإعادة تأهيل باكستان قبل أن يكتمل الانهيار.
الحرب الأفغانية في جزء كبير منها حرب أهلية ولذلك سيكون التهديد ''بمواصلة'' هذه الحرب هو الكرت الضامن الضاغط على طالبان بالتوقيع على اتفاق شامل خاصة أن طالبان ستكون هشة وسهلة الاختراق لسنوات إذا هي نكثت بالاتفاقية. ولعل حركة طالبان وعت التجربة ومحدودية القيمة الأيديولوجية في دعم القاعدة وسرعة فقدان السلطة مما يجعلها تعيد التفكير جديا وعمليا. المجاهرة بإعلان اتفاق بهذا الحجم سترغم طالبان على العقلانية في حكم البلاد وعدم المجازفة، حيث سيعرف الأفغان أن سبب أي تدخل أجنبي أو احتلال قادم هو التعاون مع منظمات دولية لا تخدم الأفغان.
بقي أن نقول لمن ينادي بالديمقراطية والليبرالية في أفغانستان إنه يدور بين مداري الجهل والسذاجة، فأفغانستان بلد فقير و70 في المائة من الناس أميون وليس لديه أي بنية مؤسساتية عدا الدينية، فمنعه من المراهنة على البنية الدينية لبناء الدولة والحكومة يحمل تبسيطا كبيرا وكارثة تنظيمية وهي ما يعانيه الأفغان اليوم.
على الغرب إعادة التفكير والعطف على الأفغان والابتعاد عن المكابرة والتحدث مع طالبان ليس بغرض مشاركة اسمية في الحكم ولكن دور فاعل ومؤثر في السلطة من خلال اتفاقية استراتيجية وإسدال النهاية على غلطة كبيرة بدعم القاعدة من قبل طالبان وتهور أمريكي غير محسوب في الرد على حركة في الأصل حركة بوليسية.