الاعتماد الأكاديمي الدولي تحدٍ لثقافتنا
سباق محموم في ''بعض'' الجامعات السعودية للحصول على الاعتماد الأكاديمي من جهات المنح العالمية ''لبعض'' كلياتها. في هذا المقال ــ بحكم التخصص ــ سأتحدث عن كليات الإدارة والأعمال. قد يغضب بعض الزملاء المتخصصين استخدامي اسم (الإدارة والأعمال), وذلك يعود إلى الخلاف الواسع الذي تشهده أروقة الجامعات السعودية ''قاطبة'' حول الاسم الملائم لهذا النوع من الكليات. والسبب يعود إلى أنها تضم بين جنباتها تخصصات متنوعة، فإذا قلنا كلية الإدارة فإن هناك تخصصات أخرى غير الإدارة, وإن قلنا الأعمال فهناك قطاعات أخرى ''لدينا'' تخدمها هذه الكليات بخلاف الأعمال. قد يظن القارئ غير المتخصص أن هذه مشكلة بسيطة ــ مجرد اسم ــ لكنها في حقيقتها أعمق من مجرد أسماء, ذلك أن لها تأثيرا كبيرا في مسار الاعتماد الأكاديمي. كما أنها تقتضي قبول أو رفض تدريس تخصص معين أو حتى مواده العلمية, ما يؤثر في مستوى المعرفة التي يجب أن يتلقاها الطالب (كثرة أو قلة). لكن مما يلاحظ أن هذا الخلاف الشديد قد تشعب أكثر حتى أصبحت بعض الكليات ''غير المتخصصة'' في علوم الإدارة والمال والأعمال تدعي أحقيتها في بعض الأقسام, الأمر الذي خلق صراعا علميا سيمتد فترة من الزمن وقد يؤثر في قدرة الجامعات السعودية على تطوير هذه التخصصات ومخرجاتها. ورغم الخلاف فإن عددا من الكليات في الجامعات السعودية ــ العريقة منها على وجه الخصوص ــ ذهبت نحو مؤسسات الاعتماد الأكاديمي الدولية باندفاع شديد واستعجال للنتائج, وبعضها يقفز هنا وهناك في محاولة لعل وعسى.
من حيث المبدأ أنا مع سعي الكليات إلى الحصول على الاعتماد الأكاديمي من مؤسسات عالمية مرموقة, بل إنني أعتبر هذا ضرورة ملحة, فله فوائد منها أنه سيجبر عمادات الكليات وإدارات الجامعات معها على بناء رؤية ورسالة واستراتيجية واضحة للكلية, وسيجبر الجامعات على استقطاب أعضاء هيئة تدريس بمستوى يليق بكلية معتمدة, إضافة إلى تطوير المناهج الدراسية والكتب, وهذا بالفعل ما نحتاج إليه. لكن الملاحظ أن الجامعات منقسمة حول هذا الأمر إلى جامعات لا يهمها أمر الاعتماد المؤسسي الدولي ولا تحفل به، لذلك لا يجد عمداء هذه الكليات دعما، وجامعات ــ في الجانب الآخر - مضت فيه, لكن بلا جدية كافية, وتعتقد أنه مجرد نماذج وقوالب فقط. لكن القضية في حقيقتها أكبر من ذلك, فالاعتماد الأكاديمي الدولي مهم جدا سواء لمكانة المملكة الاقتصادية والعالمية وحاجتها إلى خريجين بمستويات تعليمية أفضل بكثير من السنوات الماضية ولحاجة الخريجين أنفسهم, نظرا للتنافسية الشديدة التي يجدها أبناؤنا في هذه القطاعات رغم ضخامة سوق العمل فيها, إلى ارتفاع مستوى الدخل. أضف إلى ذلك أن الكليات المعتمدة سيكون لها ولمبتعثيها وأعضاء هيئة التدريس فيها قبولا عالميا سواء من حيث الدراسات العليا أو من حيث قبول مخرجاتهم البحثية ونشرها في أوعية نشر متميزة. في المقابل يجب التعامل مع مؤسسات التقييم العالمية بشكل جدي جدا، خاصة أن التقييم ممنهج بطريقة يصعب تجاوزها بمجرد ادعاءات ونماذج لا تسمن ولا تغني من جوع. فمؤسسات الاعتماد الأكاديمي ترسل فرق للبحث والتقصي (محكمين عالميين مدربين), وذلك للتأكد من جودة التعليم الأكاديمي. وكي تثبت الكليات جودة أدائها يجب أن تقدم وثائق من الأنواع كافة سواء المصورة منها والمكتوبة. فادعاء وجود خطة استراتيجية للجامعة والكلية لا يكفي لإثباته عرض خطة مكتوبة ــ كيفما اتفق كما تفعل بعض جامعتنا الحبيبة ــ بل يجب عرض كل الوثائق التي تدل على المنهج الذي بنيت عليه الخطة وجميع المجالس التي أقرته ومحاضرها والمستندات المؤيدة واللقاءات المصورة مع المجتمع وكذلك الاستبيانات وطرق تحليلها والاجتماعات التي تمت لمناقشتها. كما أن القول إن لدى الكلية رؤية ورسالة لا يكفي معه مجرد كتابتها وتعليقها في مدخل الجامعة والكلية, بل لا بد من إثبات عملية صناعتها ومشاركة المجتمع في تلك الصياغة, ومن ذلك اللقاءات مع المهتمين خارج الجامعة وداخلها وتوثيق كل ذلك بالصور. العمل على الجودة عمل منهجي وممارسة يومية, فالجودة ثقافة وليست أوراقا وماكينة، وهذا ما تبحث عنه مؤسسات التقييم العالمية أن تثبت الجامعات ممارسة الجودة وليس تصميمها فقط. قد يعتقد بعضهم أن الحصول على الاعتماد الأكاديمي ''مستحيل'', خاصة مع بعض الشروط الصعبة جدا من حيث النسب الواجبة بين عدد المعيدين وأعضاء هيئة التدريس وكذلك الطلاب للمحاضرين والمعامل والمقار والتدريب، ومشاركة المجتمع وتمثيل الطلاب في المجالس, فبعض تلك الشروط تتضارب مع أسلوب إدارة الجامعة التي مارسته لسنوات وتعتقد صحته ومع منهج اعتقدت وزارة التعليم العالي أنه سليم في التعامل مع الجامعات وطلابها, وذلك لعقود من الزمن. بعض الجامعات الجديدة بالكاد انتهت من خططها الدراسة ليفاجئها التقييم الأكاديمي بضرورة تغيير الخطط وإثبات إجراءات إعدادها, وهو ما لم تحسب له هذه الجامعات حسابا. لكن الأمر ليس بهذا السوء, فالتقييم الأكاديمي ليس مستحيلا وليس تحديا كذلك، بل هو إعادة صياغة لثقافة المؤسسات الأكاديمية لدينا، وهذا يحتاج فقط إلى وقت ''ويجب'' أن نعمل عليه. ولسنا في هذا مختلفين عن جامعات العالم, بل الجميع بدأ يفهم ذلك ويعمل من أجله، ففي أحد المؤتمرات العالمية عن التصنيف العالمي للجامعات قُدمت ورقة عمل عن كلية الأعمال في جامعة ماليزية، بدأ البروفيسور الذي قدم الورقة بشرح الاعتماد الأكاديمي الدولي وأنواعه ومؤسساته، ثم تطرق إلى رحلة كليته في ذلك. كانت المفاجأة ـــ بالنسبة إلي لأنها كما يبدو لم تفاجئ الآخرين ـــ أنهم أمضوا ست سنوات ولم يحصلوا على الاعتماد بعد، لكن ذلك لم يفت في عضدهم, بل زاد من إصرارهم. ما يهمني هو آخر كلماته التي قال فيها ''إننا بدأنا البحث عن الاعتماد بعجلة, وكنا نعتقد أنه سهل ومجرد نماذج للتعبئة، ثم بعد مدة شعرنا بأنه مستحيل، بعد ذلك قلنا إنه تحد ويجب أن نقوم به، لكن في نهاية الأمر تبين لنا أنه ليس بيننا وبين هذه المؤسسات تحد, بل بيننا وبين ثقافتنا السابقة، لتغيير كل ذلك يجب أن نعمل بهدوء وبتركيز, فسعينا للاعتماد خدمنا أكثر من مجرد الحصول عليه وأن المسألة مسألة وقت''.