التنقيب والإنتاج في المياه العميقة على شفا تغييرات جوهرية
أغلق البئر ماكوندو نهائيا، عمليات التنظيف جارية حاليا ووسائل الإعلام التي غطت الحادث بكثافة غادرت تقريبا جميعها شواطئ خليج المكسيك، لكن عمليات الاستكشاف والإنتاج في المياه العميقة دخلت مرحلة جديدة. حيث إن الجوانب السياسية والتنظيمية والقانونية تتخذ الآن مركز الصدارة في النقاش الدائر في الدوائر المختصة ووسائل الإعلام.
مما لا شك فيه أن الكارثة سيكون لها تأثير كبير في مستقبل عمليات الحفر والإنتاج في المياه العميقة. حيث إن زيادة الروتين في الحصول على تراخيص العمل، الإجراءات وتشديد متطلبات السلامة، ستبطئ بصورة كبيرة مجمل عمليات الاستكشاف والإنتاج، حيث سيتأثر كل شيء بدءا من منح التراخيص إلى إزالة المعدات وغلق البئر بعد نفاد الاحتياطي. من المتوقع أيضا أن تتأثر العمليات في خليج المكسيك بصورة خاصة أكثر من غيرها، لكن عديدا من البلدان الأخرى ستسعى أيضا إلى تشديد اللوائح والتشريعات وإجراءات السلامة الخاصة بعمليات المياه العميقة.
التخطيط لمواجهة الكوارث البيئية سيأخذ حيزا وبعدا أكبر بكثير من ذي قبل. لقد أظهرت تجربة ماكوندو طول الوقت اللازم للتعبئة لعمليات الإنقاذ والتنظيف حتى في كبريات المناطق المنتجة للنفط وللغاز، حيث يجري بالفعل حاليا في جميع أنحاء العالم إعادة النظر في إجراءات الاستجابة للطوارئ في حالات التسرب. سيكون التحدي أكبر لواضعي الأنظمة في المناطق المتاخمة الجديدة مثل جرينلاند في القطب الشمالي وغيرها، حيث تفتقر هذه المناطق إلى البنية التحتية والمعدات. من المتوقع أيضا أن تلجأ الشركات إلى وضع نظم خاصة بها استجابة لهذه التطورات في المناطق التي تفتقر إلى النظم الحكومية أو الرسمية الكافية. وضع استراتيجيات موثوق بها لتجنب الكوارث من هذا النوع ستكون ضرورية للشركات كي تتمكن من توفير الفرص والاستثمارات اللازمة في المستقبل.
من المحتمل جدا أن قطاع التنقيب والإنتاج في المياه العميقة قد يكون على شفا بعض التغييرات الهيكلية الجوهرية. حيث إن ارتفاع تكاليف الإنتاج، تشديد الأنظمة وإجراءات السلامة الصارمة، وضغط المساهمين، من المرجح أن تدفع جميعها معظم الشركات عدا الكبيرة جدا منها إلى الحد من نشاطها في عمليات التنقيب والاستكشاف في المياه العميقة أو ربما قد تترك الساحة بالكامل لغيرها. هذه الفجوة ستوفر فرصا للشركات الأخرى، لا سيما لتلك الشركات العملاقة والقوية ماليا وإلى شركات النفط الوطنية الكبيرة.
هناك أمور كثيرة على الصناعة النفطية أن تفكر فيها وتحللها فيما هي تنتظر اللوائح والتشريعات الجديدة، خاصة تلك المتعلقة بسلامة عمليات التنقيب والإنتاج، حيث إن هذه الأمور سيكون لها دور كبير في إحداث تغييرات جوهرية على عمليات التنقيب والإنتاج العالمية في المياه العميقة، فيما يلي بعض المستجدات وراء هذه التغييرات المحتملة:
إن الصناعة النفطية من المحتمل أنها قللت في السابق تقديراتها للمخاطر السياسية في الولايات المتحدة في ضوء استجابة الحكومة لحادثة البئر ماكوندو، حيث إن عددا من شركات النفط العالمية، من بينها شركة بريتش بتروليوم، قد ركز معظم عملياتهم في الولايات المتحدة. لذلك من المحتمل أن تعيد الشركات النفطية حساباتها في السنوات المقبلة وتعيد تقييم توزيع عملياتها وتواجدها بحيث لا تكون معرضة إلى المخاطر من دولة واحدة، خصوصا الشركات الصغيرة، وعلى ضوء اللوائح والتشريعات الجديدة والتكاليف الناجمة عن ذلك، قد تعيد الصناعة النفطية العالمية حساباتها وتخفض من مستوى عمليات التنقيب والإنتاج في الولايات المتحدة بصورة عامة وفي المياه البحرية العميقة لخليج المكسيك بصورة خاصة.
الشركات النفطية نجحت إلى حد ما في السيطرة على انفجار الآبار Blow out في المياه العميقة، لكن الضغط العالي جدا في المكمن النفطي (وليس درجة الحرارة العالية جدا)، يكون قد ساهم في فقدان السيطرة على البئر ماكوندو. إذا كان الأمر كذلك، فإن وضع لوائح وتشريعات جديدة أكثر صرامة على عمليات حفر المكامن النفطية ذات الضغوط العالية يشجع بصورة كبيرة على عمل الشركات في مجال تصميم الآبار ذات الضغوط العالية والخدمات الأخرى، ما يؤدي إلى إعادة فتح عمليات الحفر والتطوير في المياه العميقة بصورة أسرع. لكن إذا فرص استخدام تقنيات جديدة في آبار المياه العميقة ذات الضغوط العالية جدا ليست متوافرة حاليا على نطاق واسع، فإن العودة إلى مستويات الحفر الطبيعية في المياه العميقة ستتأخر حتى تتوافر هذه التقنيات على نطاق أوسع.
التغييرات سوف لن تقتصر على الولايات المتحدة فقط، إذ ستبدأ الدول الأخرى بإعادة النظر في الصناعة الخاصة بها وتقيم إذا ما كان لديها ما يكفي من التنظيمات وقدرات الاستجابة لمثل هذه الكوارث. البعض قد يفرض قيودا صارمة على عمليات الحفر مثل الولايات المتحدة، وربما حتى أكثر صرامة من ذلك. لكن البعض الآخر قد يفعل القليل، في هذه الحالة من المتوقع أن تقوم الصناعة النفطية باعتماد معايير أكثر تشددا بصورة ذاتية. سوف لن يكون واضحا لبعض الوقت أين ستكون الصناعة النفطية قادرة على استكشاف وتطوير حقول نفطية متاخمة Frontiers fields في المياه العميقة. لذلك من المتوقع حدوث فجوة، قبل أن يتم وضع لوائح وتشريعات وإجراءات سلامة التي من شأنها أن تعمل على انتعاش نشاط عمليات الحفر والإنتاج وتطبيع طرق عمل جديدة. حتى ذلك الحين، من المتوقع أن تستغني منصات الحفر في المياه العميقة عن بعض الوظائف، كما أن الاستثمارات المعطلة في الولايات المتحدة قد لا تجد بسهولة فرصا بديلة في مكان آخر في العالم.
شركات النفط الكبرى التي كانت تركز على عمليات الاستكشاف والإنتاج خلال العقدين الماضيين، كانت تستعين بشركات الخدمات النفطية لتوفير احتياجاتها من الخدمات بما في ذلك منصات الحفر. حيث كانت هذه الشركات تعوض عن عدم السيطرة على الخدمات النفطية بالحصول عليها بتكاليف أقل، خصوصا في البدايات عندما كان لدى شركات الخدمات النفطية طاقات فائضة. نتيجة الاستعانة بمصادر خارجية لتأمين الخدمات النفطية، مستوى بعض الكفاءات الأساسية في بعض الشركات النفطية بدأت تضعف مع زيادة الاعتماد على قطاع الخدمات لتوفيرها. بعد حادثة البئر ماكوندو، عملية إدارة المخاطر قد تدفع الشركات إلى إعادة النظر في التوازن بين ما هو مطلوب تنفيذه من داخل الشركة وبين ما تحصل عليه من شركات الخدمات. في حين شركات الخدمات النفطية من جانبها، قد تجد صعوبة في الحصول على تأمين على عمليات الحفر الصعبة، وربما قد تحتاج إلى إيجاد علاقات جديدة مع عملائها الرئيسيين لديمومة عملها.
إن الشركات المتوسطة الحجم لها القابلية لتحمل تكاليف الاستكشاف والتطوير المرتفعة للحقول البحرية في المياه العميقة، اعتمادا على حجم الاحتياطي واقتصاديات الحقل الاجمالية. وحتى مع ذلك، فقط عدد قليل من الشركات التي بهذا الحجم أو أصغر من المتوقع أن تشارك في عمليات استكشاف وتطوير الحقول عالية التكلفة والمخاطر في المستقبل، حتى تلك الشركات التي تتخذ من حقول المياه العميقة استراتيجية لها للنمو من المرجح أن تخفض من نشاطها. إذ، كما يبدو محتملا، يتعين على الشركات التي تعمل في الاستكشاف والتطوير في المياه العميقة أن تحصل على ضمانات مسبقة ضد أي تكاليف مرتفعة غير قابلة للتأمين أو التزامات مالية محتملة، في هذه الحالة سيتعين على بعض الشركات المتوسطة الحجم ومعظم الشركات الصغيرة تحويل استثماراتها إلى مكان آخر.
لقد خدم أسلوب ''اتفاق المشروع المشترك'' Joint venture agreement الصناعة النفطية بصورة جيدة على مدى العقود الماضية، حيث يعتبر وسيلة تسمح لكل مشارك بالالتزام بمبلغ من رأس المال وبما يتناسب مع قابليتهم على تحمل المخاطر وقدرتهم على التمويل. نجح هذا النوع من الاتفاقيات بصورة عامة بسبب كون جميع الأطراف المشاركة يتعرضون بصورة متناسبة مع درجة مشاركتهم في حالة النجاح وتقاسم الأرباح أو الإخفاق وتقاسم التكاليف المترتبة. في حين كان لعملية التشغيل المشترك للمشروع قيمة مضافة من خلال الإدارة والوضع القانوني. لكن عدم المساواة الواضح في تقاسم المخاطر الناتجة، كما حصل في حالة البئر ماكوندو، يؤدي إلى تغيير النظرة السابقة لعملية التشغيل المشترك للمشروع، حتى أسلوب ''اتفاق المشروع المشترك'' نفسه سيخضع لعملية تدقيق وتقييم من جديد، في المستقبل عملية صنع القرار بتوافق الآراء قد تكون مطلوبة خلال عملية الحفر بأكملها. المشاركة المكثفة قد تؤثر في جميع المشاركين في عمليات التنقيب والإنتاج، لكن بصورة خاصة ستؤثر في معظم الشركات الصغيرة ذات الإمكانات المحدودة.
تأثر أرباح وقيمة حقوق المساهمين في الشركات بصورة سلبية، سيضع هو الآخر ضغوطا إضافية على الشركات في المستقبل لضمان إدارة سليمة للمخاطر التشغيلية يضمن عدم وقوع حادث مشابه آخر للبئر ماكوندو في أي مكان آخر.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة أن يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.