رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل حان الوقت للمملكة أن تستورد الغاز؟

تحدثت في مقال سابق (الاقتصادية عدد 5930 وتاريخ 2010/01/05)، عن علاقة أسعار الغاز بأسعار النفط، ورفعنا تساؤلاً حول طبيعة التغير في علاقة أسعار هاتين السلعتين، إضافة إلى ذلك تجب ملاحظة أن هناك ضغطاً متواصلاً على طلب الغاز السعودي لاستعماله كلقيم للصناعات البتروكيماوية والمنافع خاصة الكهرباء. فمع أن المملكة من أكبر المنتجين ولديها نحو 4 في المائة من احتياطيات الغاز في العالم، إلا أن هناك هامشاً محدوداً جداً بين القدرة الاستيعابية للإنتاج والطلب عليه. أحد إفرازات هذا التطور هو تزايد استخدام النفط لتوليد الكهرباء (كل 1000 ميغاوات تحتاج تقريباً إلى 40 ألف برميل نفط يومياً)، وبما أن هناك نمو استهلاك الكهرباء يصل إلى نحو 8 في المائة سنوياً أي أن هناك حاجة إلى زيادة استهلاك نفط لتوليد الكهرباء تصل إلى 100 ألف برميل نفط يومياً وفي تزايد. ذكر رئيس «أرامكو» أن استهلاك المملكة من النفط والنفط المكافئ يعادل 3.4 مليون برميل نفط يومياً. الإجابة عن تساؤل المقالة الماضية أنه يبدو أن هناك تغيراً هيكلياً مهماً في العلاقة بين أسعار النفط والغاز.
لعل الجديد في الموضوع أن أسعار الغاز انخفضت قياساً بأسعار النفط، فبينما كان سعر البرميل يعادل 14.5 ضعف سعر الغاز في 1/1/2010 فهو اليوم يصل إلى 18 ضعفاً تقريباً، والسبب الرئيس هو تنامي إنتاج ما يسمى (الغاز الحجري) shale gas في أمريكا، الذي ذكر أنه يكفي لاستهلاك أمريكا لمدة تصل إلى 100 عام. ارتفع استعمال الغاز من هذا المصدر من 1 في المائة عام 2000 إلى نحو 30 في المائة، اليوم ويقدر أن يصل إلى 50 في المائة بعد عشر سنوات. هناك تكونات جيولوجية مشابهة في أوروبا والصين وأستراليا، مما قد يضغط تباعاً على أسعار الغاز طويلة الأجل. يقابل ذلك تماسك أسعار النفط وتزايد قلة حساسية السعر للطلب أو العرض (كما ذكر فيث برول رئيس الاقتصاديين في منظمة الطاقة الدولية) في قطاع المواصلات وخاصة في الدول النامية، حيث إن الدعم الحكومي يحمي المواطن من السعر الحقيقي، وبالتالي يستمر الطلب في النمو مثل الهند والمملكة، حيث لا يوجد حافز حقيقي لتغيير تصرف المستهلك. يذكر برول أن 90 في المائة من النمو في الطلب على النفط أتى من قطاع المواصلات في السنوات الخمس الأخيرة.
إذاً هناك عدة حقائق يجب أخذها في الحسبان؛ أولاً، العلاقة بين أسعار النفط والغاز تتجه إلى صالح المملكة، فأسعار الغاز (الأقل لدينا) في نزول وأسعار النفط (الوافر) - إذا سيطرنا على استهلاكنا وقللنا التهريب - في تزايد؛ ثانياً، هناك طمأنينة نسبية، ونشدد على نسبية في أن الطلب على النفط في تنام وأقل حساسية (صعوبة في تغيير جذري للوقود المستخدم في قطاع المواصلات)؛ ثالثاً: إننا وصلنا إلى سقف جديد للمفاضلة بين استخدام الغاز السعودي للصناعات البتروكيماوية أو الكهرباء، إضافة إلى ارتفاع تكاليف إنتاج الغاز البحري لدينا، علماً بأن الطاقة الشمسية أو الذرية تبقي بديلاً منتظراً ربما لعقود؛ رابعاً، قبول الحاجة إلى إعادة النظر في سياسة الطاقة في المملكة. ولعل البعض سأل هل هناك سياسة طاقة في الأصل؟
بناء على هذه الحقائق حان الوقت لإعادة ترتيب أولويات سياسة الطاقة في المملكة واستغلال الميزة النسبية اقتصادياً (ارتفاع أسعار النفط وانخفاض أسعار الغاز). يتم ذلك بالوصول إلى عقود طويلة الأجل لاستيراد الغاز وزيادة تصدير النفط بعد أن يحل الغاز المستورد مكان استعمالات الكهرباء ربما الصناعة. لكن هذا جزء واحد مهم في سياسة الطاقة يجب أن تتبعه مراجعة شاملة لأسعار الوقود. فلا يعقل أن تستهلك المملكة نحو 22 في المائة من الطاقة لديها بينما قدرتنا على التصدير واستعمال أمثل للغاز تحت ضغط متواصل دون تغيير في سياسة الطاقة. البعض من الدول المجاورة لديها فائض وستكون لديها حاجة إلى أسواق جديدة بعد أن استثمرت أموالاً طائلة مثل قطر ومصر وحتى اليمن، ولذلك ستبحث هذه الدول عن سوق قريب. كما أن روسيا تعهدت بسد حاجة الصين من الغاز، وأستراليا قد تسد حاجة بعض دول آسيا الأخرى. حينما يتغير العالم لا بد لنا من التكيف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي