إيجاد هيئة شرعية مستقلة .. هل سيطور المؤسسات المالية الإسلامية؟
كما نعلم اليوم أن وضع الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية والمؤسسات التي تقدم منتجات متوافقة مع الشريعة، أصبح حديث الكثير من المتخصصين، ومحل نقاش متواصل في المؤتمرات واللقاءات العلمية المتعلقة بالمالية الإسلامية، وأصبح كثير من المتخصصين يتساءلون في مثل هذه اللقاءات عن أن آلية عمل الهيئات الشرعية بالصورة المعمول بها اليوم لا تضمن الكفاءة والجودة المطلوبة لضمان تطبيق المؤسسات المالية الإسلامية بالشكل المطلوب، إضافة إلى أن التواصل بين أعضاء الهيئات الشرعية والإجراءات التطبيقية على الواقع ضعيف بشكل لا يضمن تطبيق المنتج بالشكل والصورة اللذين وافقت عليهما الهيئات الشرعية لتلك المؤسسات، خصوصا ـــ كما هو معلوم ـــ أن الكثير من العاملين في هذه المؤسسات لديهم معرفة محدودة بالمالية الإسلامية، خصوصا مع شح الكوادر المؤهلة في هذا المجال.
من ضمن الحلول التي طرحت في هذه الملتقيات، ومن خلال بعض المقالات، وشيء من التطبيقات الموجودة في بعض الدول الإسلامية، إيجاد هيئة شرعية تابعة للبنك المركزي تكون المرجع الرئيس في إجازة المنتجات، ويكون لها دور في عملية ترجيح الآراء المختلفة في بعض القضايا المتعلقة بالمالية الإسلامية.
وهذا بلا شك خيار وارد، وقد يكون له أثر إيجابي من جهة استقلالية هذه المؤسسة التي تمارس عملا مهما، كما أن لها دورا في إعطاء فرصة تنافسية متساوية لجميع هذه المؤسسات، حيث إن المعاملة ستكون واحدة لجميع تلك المؤسسات، وهذا أيضا سيحد من مسألة تعارض المصالح بين الهيئات الشرعية والمؤسسات التي تتبع لها.
ورغم أن هذا أحد الخيارات التي يؤيدها بعض المتخصصين، إلا أن هذا الخيار سيكون له أثر سلبي من جهة أن الكثير ينتقد وجود مجموعة من أعضاء الهيئات الشرعية في عدد كبير من المؤسسات المالية؛ ما يؤدي إلى انشغال هؤلاء الأعضاء بكثرة الاجتماعات عن التأكد من تطبيق هذه المنتجات بالشكل المطلوب والتواصل مع الجهات المختلفة في هذه المؤسسات لتدارس موضوع صياغة هذه المنتجات بالشكل المتوافق مع الشريعة ودراسته دراسة وافية، كما أن تلك المؤسسات تعاني مسألة القدرة على التنسيق مع الأعضاء للتفاعل مع ما يستجد من منتجات وابتكارات.
وبوجود هيئة شرعية مستقلة لن يكون الوضع أحسن حالا مما هو حاصل اليوم من جهة تطوير عمل المؤسسات المالية الإسلامية، إذ إنه في الوقت الذي يوجد فيه قلق من جهة أن بعض أعضاء الهيئات الشرعية أعضاء في عدد كبير من المؤسسات، سنجد أن الهيئة المستقلة سيكون عليها عبء النظر في المنتجات الموجودة في جميع المؤسسات المالية الإسلامية، التي تعمل داخل الدولة، ولو أخذنا على سبيل المثال المملكة، سنجد أن الأمر سيطلب النظر في منتجات البنوك، والمؤسسات المالية التي أصبحت اليوم تتسع بشكل كبير، إضافة إلى شركات التأمين، واستصدار الصكوك من قبل الشركات، وهذا عمل ضخم، واختزال لعمل العديد من الهيئات الشرعية في هيئة شرعية واحدة، فالبطء في إجازة هذه المنتجات سيكون ـــ والله أعلم ـــ أمرا واقعا لا محالة، خصوصا عندما نعلم أنه في وضع الهيئات الشرعية بشكلها الحالي فإنه يوجد حافز للإنجاز والعمل في فترات أكثر من فترة العمل الرسمي، لكن في حالة الهيئات الشرعية المستقلة، فالأمر يختلف. يضاف إلى ذلك أنه سيكون هناك حد من الاجتهادات بحصر إجازة منتج معين في رؤية مجموعة واحدة دون النظر إلى آراء أخرى تختلف معها سواء بالإجازة أو التحريم، كما أن هذه الآلية ستؤثر بشكل أو بآخر في كفاءة عمل المؤسسات المالية الإسلامية، إذ إن بناء القرارات على آراء لأشخاص محدودين، وهذه الآراء بطبيعة الحال قابلة للتغير، فإن عامل المخاطرة قد يحد من فرصة منافسة المنتج المتوافق مع الشريعة المنتج التقليدي، ولن يسمح بأن تكون آلية عمل المؤسسات المالية الإسلامية معتمدة عالميا؛ نتيجة احتمال وجود هذه التقلبات وعدم وجود رؤية واضحة حاليا لها.
والحقيقة أنه كما سبق أن أشرت في مقال سابق، أن وضع معايير مبنية على دراسة وافية من جميع الجوانب الشرعية والقانونية والمحاسبية والمالية، سواء من خلال البنوك المركزية تتبنى تصورا واضحا لمتطلبات إنشاء المؤسسة المالية التي تقدم منتجات متوافقة مع الشريعة، ويشمل ذلك معايير إنشاء مؤسسة مالية تتوافق أعمالها مع الشريعة الإسلامية، يتضمن ذلك بعض الضوابط الشرعية المتفق عليها، التي يكون العمل عليها سائدا بين المؤسسات المالية الإسلامية، إضافة إلى ذلك معايير لهيكل المؤسسة المالية الإسلامية الذي يتطلب إدارة للرقابة الشرعية، وقسما للمستشارين الشرعيين في إدارة تطوير المنتجات، ومعايير لهيكل الوثيقة التي تتقدم بها المؤسسة المالية الإسلامية لإجازة أي منتج يشمل تفاصيل رؤية المستشارين الشرعيين في المنتج، الذي يجعل العمل على إجازة منتج ما أن يكون عمل الخبراء الشرعيين من بداية تطوير المنتج، ويتضح ذلك من صياغة المنتج باحتوائه على تفاصيل أدلة إجازته شرعا، في جميع آليات تطبيقاته التي تضمنتها الوثيقة.
هذه الآلية سيكون لها أثر فعلي في تطوير عمل المؤسسات المالية الإسلامية، واعتماد الآلية العالمية التي تجعل للمؤسسات المالية الإسلامية فرصة المنافسة عالميا، وإيجاد قبول عالمي لضوابطها ومعاييرها.