رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مواصفات النفط الخام .. البعد الثالث لأساسيات أسواق النفط

ليس مهما فقط للأسواق النفطية توافر إمدادات نفطية كافية لتلبية الطلب العالمي على النفط، لكن من المهم أيضا لهذه الأسواق الحصول على النوعية المناسبة من هذه الإمدادات. في عام 2005 كانت معظم الدراسات والتحليلات تشير إلى وجود شح في الإمدادات وعدم توافر طاقات إنتاجية احتياطية كافية لتلبية الطلب المتزايد على النفط؛ ما أدى إلى زيادة المخاوف بخصوص وفرة الإمدادات واحتمال وصول الإنتاج العالمي إلى ذروته، ما أدى إلى زيادة المضاربات في أسواق النفط العالمية وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية بعد ذلك. لكن الحقيقة التي كان البعض يشيح عنها ويحاول أن يغفلها، هي أن المشكلة الرئيسة لم تكن تكمن في عدم توافر إمدادات كافية، إنما المشكلة كانت تكمن في عدم توافر مصافٍ متطورة كافية لها القدرة على تكرير النفط الثقيل ذي المحتوى الكبريتي العالي، حيث كانت جميع الطاقات الاحتياطية النفطية المتوافرة لدى منظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك'' في ذلك الوقت من النوع الثقيل وعالي الكبريت، التي قامت المنظمة بعرضها جميعها على الأسواق لتخفيف الضغط على أسعار النفط، لكن لم يكن هناك طلب عليها. إذن المشكلة لم تكن تكمن في توافر الإمدادات بكميات كافية، إنما كانت تكمن في توافرها بالنوعية التي تستطيع المصافي أن تكررها، حيث عانت صناعة التكرير النفطي قلة الاستثمار، خصوصا من قبل المستهلكين لعقود عدة؛ وذلك لانخفاض هوامش الربح وتوافر طاقات كبيرة فائضة عن الحاجة.
قبل نحو خمس سنوات كان القائمون على صناعة التكرير النفطي (المصافي) قلقين من عدم توافر كميات كافية من النفط الخام الخفيف ذات المحتوى الكبريتي ''الواطئ'' أو الخالي من الكبريت، الذي يعرف بالنفط الحلو Sweet crude، لكن الوضع تغير تماما في الوقت الحاضر، حيث القلق حاليا هو من عدم توافر كميات كافية من النفط الخام المتوسط أو الثقيل ذات المحتوى الكبريتي العالي. التحول الجديد الحالي في اتجاه الطلب على نوعية النفط الخام يعود إلى حد كبير نتيجة للتغيرات التي طرأت على بنية صناعة التكرير النفطي العالمية وإلى التحول الكبير باتجاه الأسواق الآسيوية، حيث الطلب على النفط هناك يميل إلى كفة المنتجات الثقيلة.
إن الصراع خلال السنوات الطويلة الماضية مع الاختناقات والسعي إلى إنتاج المزيد من الوقود المستخدم في مجال النقل والمواصلات شجع على بناء المزيد من المصافي ذات القدرة على التعامل مع أنواع مختلفة من النفط المتوسط والثقيل ذي المحتوى الكبريتي العالي، التي تعرف بالمصافي التحويلية المعقدة Deep conversion Refineries. لكن في الوقت الحاضر تتزايد المخاوف بين مصافي حوض الأطلسي بصورة خاصة من عدم توافر كميات كافية من النفط الخام منخفض النوعية رخيص الثمن للتعويض عن تكلفة إضافة الوحدات الثانوية التحويلية العالية التكلفة مقارنة بالمصافي التقليدية.
لقد كان النقص في توافر طاقات تكرير كافية في المصافي لإنتاج وقود النقل أحد الأسباب الرئيسة لارتفاع أسعار النفط بين عامي 2004 و2008. إن ارتفاع الطلب على الديزل بقوة في الاقتصاديات المزدهرة للدول غير الأعضاء في منظمة التنمية الاقتصادية non-OECD والافتقار إلى طاقات تكريرية تحويلية معقدة أجبرت المصافي على تقديم عطاءات عالية للحصول على إمدادات النفط الخام الخفيف ذات المحتوى الكبريتي الواطئ أو الخالي من الكبريت، التي كانت شحيحة نوعا ما في الأسواق في حينه، لإنتاج كميات كافية من وقود النقل. حيث كانت قدرة ''أوبك'' محدودة في ذلك الوقت للمساعدة على كبح جماح الأسعار، على الرغم من أن المنظمة عرضت جميع طاقاتها الإنتاجية الاحتياطية في الأسواق؛ ذلك لأن جميع هذه الطاقات كانت من نوع النفط الخام الثقيل وعالي الكبريت، كما أسلفنا.
إن هوامش الربح الضخمة للمنتجات النفطية (حيث وصل الفرق بين سعر النفط الخام والديزل أو ما يعرف Diesel crack spreads إلى نحو 50 دولارا للبرميل الواحد في منتصف عام 2008)، وبعض التوقعات في حينها بحصول نقص في إمدادات النفط الخام الخفيف ذات المحتوى الكبريتي الواطئ أو الخالي من الكبريت شجع الصناعة التحويلية على الاستثمار في عدد كبير من مصافي التكرير التحويلية المعقدة Deep conversion Refineries وفي وحدات إزالة الكبريت desulphurising units.
لكن بعد مرور نحو سنتين من الاستثمار الكبير والسريع في هذه الوحدات، مصافي حوض المحيط الأطلسي قلقلة اليوم من أنها أضافت عددا كبيرا من الوحدات التحويلية المعقدة بحيث أصبح من الصعب الحصول على كميات كافية من النفط الخام المتوسط أو الثقيل ذات المحتوى الكبريتي العالي لتشغيل تلك الطاقات بصورة اقتصادية، إذا ما استمرت على معدلات التشغيل الحالية. الفرق في الأسعار بين النفط الخام الخفيف ذات المحتوى الكبريتي الواطئ أو الخالي من الكبريت والنفط الخام المتوسط أو الثقيل ذات المحتوى الكبريتي العالي انخفض إلى ثلاثة إلى أربعة دولارات للبرميل في المتوسط خلال عامي 2009 و2010، مقارنة بنحو سبعة إلى ثمانية دولارات للبرميل في المتوسط خلال الفترة بين عامي 2006 و2008. وفي الشهر الماضي كان تداول نفط الأورال الروسي المتوسط وذي المحتوى الكبريتي العالي في البحر المتوسط في أعلى مستوى له على الإطلاق من نفط بحر الشمال المرجعي الخفيف الحلو في الأسواق الآنية.
هناك عوامل عدة وراء النقص النسبي في النفط الخام الأقل جودة في العامين الماضيين. تخفيض الإنتاج من قبل منظمة ''أوبك'' في أعقاب انهيار الطلب العالمي على النفط والانخفاض الحاد في الأسعار أزال بصورة كبيرة النفط الخام الثقيل عالي الكبريت من الأسواق. حيث إن أعضاء المنظمة من دول الخليج العربي في الشرق الأوسط، الذي يمتاز إنتاجها إلى حد كبير بإنتاج نفط خام ثقيل عالي الكبريت، أو ما يعرف بالنفط الحامضي الثقيل، مسؤولون عن أكثر من 80 في المائة من تخفيضات إنتاج المنظمة المقدر بنحو 2.6 مليون برميل يوميا منذ كانون الثاني (يناير) من العام الماضي. كما أن الانخفاض الحاد في إنتاج النفط المكسيكي، وإلى حد أقل الفنزويلي أثر أيضا في وفرة النفط الخام الثقيل في الأسواق. إنتاج النفط الكندي الثقيل من الرمال النفطية من مقاطعة البيرتا الذي كان يعول عليه في تعويض النقص في إنتاج النفط الخام الثقيل، الكثير منه يتم حاليا تحسين نوعيته في منشأة التحسين up-grader قبل إرساله إلى المصافي.
تشير معظم التوقعات الآن إلى أن النقص الحالي في النفط الخام الثقيل عالي الكبريت من المتوقع أن يستمر على أقل تقدير على المدى المتوسط، كما أن العديد من مصافي التكرير التحويلية المعقدة من المتوقع أن تبدأ في العمل خلال الفترة نفسها. من المتوقع أن تتم إضافة نحو تسعة ملايين برميل يوميا طاقات إنتاجية من النفط الخام والسوائل النفطية الأخرى خلال السنوات الخمس المقبلة من قبل المنتجين داخل منظمة ''أوبك'' وخارجها معظمها من نوع النفط الخام الخفيف الحلو، لكن من المتوقع أيضا إضافة نحو سبعة ملايين برميل يوميا من طاقات مصافي التكرير التحويلية المعقدة، بما في ذلك وحدات التكسير وأكثر من ثمانية ملايين برميل من وحدات إزالة الكبريت desulphurising units في الفترة نفسها، ما يرفع نسبة طاقات المصافي الثانوية أو التحويلية إلى نسبة الطاقات الأولية (التكرير)، هذا بدوره سيؤدي إلى تزايد الطلب على النفط الثقيل العالي الكبريت.
على الرغم من توافر طاقات إنتاجية احتياطية لدى منظمة ''أوبك'' تفوق ستة ملايين برميل يوميا معظمها من النوع الثقيل عالي الكبريت، وفي أكثر السيناريوهات واقعية يمكن للعراق أن يضيف بحدود ثلاثة ملايين برميل يوميا نفط خام متوسط إلى ثقيل عالي الكبريت على مدى السنوات الست المقبلة. لكن معظم الإمدادات من النفط الثقيل العالي الكبريت ستذهب إلى الشرق لتغذية النمو السريع في الطلب على النفط في الهند والصين وغيرهما، خصوصا إذا ما استمرت المصافي هناك بدفع أسعار أعلى من العملاء في حوض الأطلسي لإمدادات النفط الخام الآجل.

تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي