تراجع النمو في عرض المساكن
تشير بيانات الإحصاء السكاني الأخير إلى ارتفاع معدل النمو السكاني في المملكة خلال فترة السنوات الست الممتدة بين عامي 2004 و2010. ودعم النمو الاقتصادي القوي خلال الفترة تدفق المقيمين، رافعاً النمو السكاني السنوي إلى 3.2 في المائة. وكانت معدلات النمو السكاني السنوية، كما توضحه الإحصاءات السكانية السابقة، قد بلغت نحو 2.4 في المائة خلال فترة الـ 18 سنة الممتدة بين عامي 1992 و2004. وتشير بيانات الإحصاءات السكانية في الوقت نفسه إلى أن معدلات نمو عدد المساكن السنوية خلال فترة 1992 ــ 2004 بلغت نحو 3.07 في المائة. ويمكن ملاحظة ارتفاع معدل نمو إجمالي عدد المساكن بمستوى يفوق معدل النمو السكاني خلال الفترة، وهذا يفسر إلى حد كبير الاستقرار النسبي لتكاليف المعيشة، خصوصاً في تكاليف السكن خلال فترة الـ 18 سaنة الممتدة من عام 1992 إلى عام 2004. وشهدت تلك الفترة بوجه عام استقرارا نسبيا في معدلات التضخم، خصوصاً تكاليف السكن، التي تشكل أحد المصادر الرئيسة للتضخم الناتج عن عوامل محلية. وعلى النقيض من ذلك، شهدت فترة السنوات الست الممتدة بين عامي 2004 و2010 ارتفاعا قوياً في معدلات التضخم، خصوصاً في تكاليف السكن، التي تشكل الإيجارات الجزء الأكبر منها. وتراجع في الوقت نفسه معدل نمو إجمالي عدد المساكن، حيث بلغ عدد المساكن عام 2004م نحو 3.99 مليون مسكن ارتفع إلى 4.63 مليون مسكن عام 2010. وهذا يمثل معدل نمو سنوي في إجمالي عدد المساكن وصل إلى 2.7 في المائة فقط خلال الفترة. ويقل معدل نمو المساكن السنوي خلال الفترة عن معدل النمو السكاني، كما أنه يقل بنحو 0.4 في المائة من معدل النمو في إجمالي عدد المساكن خلال فترة 1992 ــ 2004، التي كانت تشهد معدلات نمو سكانية أقل مما شهدته السنوات الست الأخيرة. ويفسر التراجع في معدلات نمو المساكن الإجمالية وإلى حد كبير الارتفاع الكبير في تكاليف الإيجارات وأسعار المساكن خلال السنوات الماضية. فارتفاع معدلات النمو السكاني بوتيرةً أعلى من معدلات نمو إجمالي عدد المساكن يشير إلى تراجع عدد المساكن الشاغرة أو غير المسكونة المعروضة للبيع أو الإيجار، ما يضغط على معدلات الإيجار وتكاليف السكن. ويتطلب الحفاظ على توازن أسعار الإيجارات أو تكاليف السكن وجود حد أدنى من المساكن الشاغرة أو غير المأهولة والمعروضة للإيجار أو البيع، فالناس يميلون إلى تغيير أماكن سكنهم بسبب تغير ظروف حياتهم كانتقالهم للعمل أو الدراسة في أماكن أخرى، أو تغير ظروف وأحجام أسرهم أو أي أسباب شخصية أخرى. وكلما ارتفعت نسبة المساكن الشاغرة أو غير المأهولة عند مستويات أسعار معينة اتجهت تكاليف الإيجارات وأسعار المساكن إلى الاستقرار أو التراجع. أما إذا تراجعت نسبة المساكن الشاغرة عند مستويات أسعار معينة سواء على المستوى المحلي أو الوطني، فإن تكاليف الإيجارات وأسعار المساكن سترتفع على المستوى المحلي أو الوطني. وهذا يفسر إلى حد كبير تفاوت الإيجارات والأسعار بين الأحياء السكنية في المدينة الواحدة، ويفسر تفاوت الإيجارات والأسعار فيما بين المدن المختلفة في بلد معين.
وتراجع معدلات نمو المساكن خلال السنوات الست الأخيرة يعود إلى ارتفاع تكاليف إنشاء الوحدات السكنية، خصوصاً ارتفاع أسعار الأراضي التي حدت من نمو المساكن عند مستويات الأسعار السابقة، ودفعت بالأسعار إلى أعلى. وكان من الممكن لبعض الجهات الرسمية المساعدة على زيادة عرض المساكن من خلال طرح مشاريع إسكان خلال الفترة، أو على الأقل تسريع منح القروض العقارية من صندوق التنمية العقارية، الذي يزيد عدد المنتظرين في قوائمه على 600 ألف شخص. ولم تشهد الفترة الأخيرة إنجاز مشاريع إسكان كبيرة ولهذا لم تؤثر مشاريع الإسكان العامة في أسعار المساكن أو إيجاراتها. من ناحيةٍ أخرى، زيدت موارد صندوق التنمية العقارية خلال الفترة، لكنها لم تكن كافيةً لمواجهة تراجع نمو إنشاء المساكن. ولو تمت زيادة عرض المساكن خلال الفترة بنحو 200 ألف مسكن، لما قفزت تكاليف السكن القفزات الكبيرة خلال السنوات الماضية. ومن المقدر أن تستمر تكاليف السكن في الارتفاع خلال السنوات المقبلة، حيث تتطلب مواجهة الطلب المتزايد على المساكن عدة سنوات لبناء مساكن جديدة بسبب طول فترة بناء المساكن، وفترة لحاق العرض بالطلب.
إن الحد من تكاليف السكن لا يعتمد على دعم قوى الطلب كما يتصوره البعض الذين يرون أن برامج أو تشريعات تنظيم الإقراض العقاري مثل أنظمة الرهن العقاري ستحل مشكلة السكن. ومن المتوقع أن تعزز برامج دعم الطلب قوى الضغط على سوق العقارات وستدفع بالأسعار إلى أعلى، ولعل هذا سر الدعم القوي الذي يحظى به نظام الرهن العقاري من قبل العقاريين. ويتطلب حل مشكلة السكن وخفض ضغوط الأسعار دعم قوى عرض المساكن. ويتم دعم عرض المساكن من خلال عدة طرق أهمها تبني والإسراع في مشاريع إنشاء الوحدات السكنية الحكومية، أو دعم إنشاء المساكن من خلال تسريع منح قروض صندوق التنمية العقارية وزيادة حجم هذه القروض.