يا مسكين يا تعليم ..
أحد الهواجس للجميع في كافة المستويات هو التعليم وكفاءته، ومن يلومهم! فهو أقرب إلى الإنسان تطبعاً ومكسباً وحياة؛ فهو أحد العناصر المشكلة للشخصية فرداً وجماعة. ونحن هنا لا نقصد التعليم بمعناه المدرسي أو حتى الأكاديمي، ولكن كوسط بيئي نتعامل معه أخذاً وعطاءً. فالتعليم الجيد هو ما يؤطر ويحصن ويحمي الفرد حينما يمر بحالة العصف الذهني الملازمة للتقدم، هو تلك الإضافة إلى ما عند الفرد، هو تلك المعلومة والخبرة التي نتناقلها بيننا. هو تلك الدورة المعرفية والمعلوماتية والتجريبية، فهو يتدرج من الشرارة في ذهن الصغير حينما يواجه شيئاً جديداً إلى ذلك البحث المضني لدى المتخصصين. ولكن هذه الدورة قد تصبح طاقة مهدرة في مجتمع لم يطرق التنمية بوضوح. يهمني التعليم في كل الحالات ولكن دوره كعامل محرك للتنمية هو الأهم.
هناك عدة زوايا للحكم على التعليم منهجاً وأداءً. المنظار الأول، أن التعليم مثالية ومطلب إنساني للجميع، وعلينا السعي له حثيثاً بغض النظر عن أي قيود أو دوافع. المنظار الثاني، أن التعليم جزء من عملية تنموية مقننة لتأهيل الجميع لخدمة المجتمع فكرياً وثقافياً واقتصادياً وغيرها من نواحي الحياة. المنظار الثالث، أن التعليم حالة من التكيف مع الحاجة إلى وظيفة وبأن الوظيفة في الغالب حكومية وذات ارتباط بمدى العلاقة فإن المتطلب من المحتوى التعليمي محدود. لذلك فإن حالة التعليم مرتبطة عضوياً بحالة المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولا يمكن فصل دور التعليم عن أبعاد الحياة فهو محرك ومتلق في آن واحد.
الغالب لدينا اليوم أن هناك مزيجاً من نظرة مثالية للتعليم وكأن التعليم كيفما تم تعريفه أصبح الملام الأول في كل ما يلف بالمجتمع والاقتصاد والعادات من تعقيدات ومسائل شائكة، وكل من يناقش أي موضوع في أي مكان وفي أي مستوى لا بد له في المقام الأخير أن يذكر أن التعليم هو العلة وهو المنقذ. يا مسكين يا تعليم.
يصعب عليّ قبول هذه المثالية، فهي خارج التاريخ والتجربة، وسوف تبقى مثالية نتغنى بها بعيداً عن الواقع، وهذه حال الكثير لدينا. إذا استبعدنا غريزة الإنسان الأولية في معرفة ما يدور حوله أو حتى الرغبة الجامحة لدى فئة قليلة جداً وفي الغالب غير مؤثرة فإن الأغلبية الواضحة في المجتمع لا ينفعها التعليم إلا من خلال إطار مؤسساتي منهجي، حيث إن العملية التعليمية جزء عضوي من العملية التنموية. فالتعليم مرتبط حتى الوريد بالنهج العام للمجتمع، ولا يمكن أن تنادي بتعليم جيد دون أن يكون لديك توجه تنموي. من خلال تجربة البناء تتعلم وتتراكم تجربة وتفرز من يعرف ومن لا يعرف، وتستطيع أن تُسعِّر الموهبة والكفاءة والإنتاجية. تصبح الإنتاجية والإشباع الثقافي والمعرفي المفيد شهادة على كفاءة من يحمل شهادة يستحقها وفاضحة لمن يحمل شهادة لا يستحقها.
يا مسكين يا تعليم ..
كفى مثالية. بل لعل المثالية هي ما دفع بنا إلى التسرع في الأخذ بسياسة اللانموذج التي أحد إفرازاتها حالة الخلل بين التعليم وحاجة سوق العمل. فإذا دققت النظر فسترى أن كل بلاد ناجحة تنموياً لديها نموذج تعليمي خاص وليس سلم مدرسي يحاول الكل ركوبه ولو أنه لا يستطيع أن يفيد نفسه أو مجتمعه. مسكين يا تعليم. سوف تبقى فرصة لكل جلاد دون التبصر في الحالة التنموية.