رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السنة التحضيرية في الجامعات السعودية .. نموذج للهدر الاقتصادي

في السنوات الأخيرة ومع الطفرة الثانية, التي لقي التعليم منها نصيب الأسد, ظهرت علينا الجامعات السعودية بموضة السنة التحضيرية. أقول موضة لأنني لا أعرف حتى الآن ما الرصيد الفكري والسند العلمي النظري الذي بنيت عليه هذه السنة الإضافية, وهناك الكثير من الأسئلة بلا إجابات حول هذه التحضيرية. بداية لماذا التحضير؟ يقولون لأن الطالب يأتي من التعليم العام وهو غير مهيّأ للدراسة في الجامعة. كيف علمتم ذلك؟ ما الدراسات العلمية والبحوث التي قامت بها الجامعات كي تثبت أن الطالب يأتـي إلى الجامعة وهو غير مهيّأ؟ قد تكون هذه الفرضية صحيحة وقد تكون مجرد انطباعات. كيف نتخذ قرارات تؤثر في جيل بأكمله وتؤثر في توزيع أموال الدولة دون سند علمي يصعب دحضه؟ الرأي الدارج بين مؤيدي السنة التحضيرية هو أن طالب التعليم العام لديه نقص في قدرته على التواصل واللغة الإنجليزية ومهارات التفكير والرياضيات، فالتحضيرية هدفها هو تعميق فهم الطالب في هذه الموضوعات وتحضيره للدراسة في الجامعة. وأنا أقول إذا كانت هذه أفضل أسبابكم وأقوى حججكم, فالله المستعان، فلماذا تصر الجامعات إذاً على اختبار التحصيل واختبار القياس؟ لماذا يدفع الطلاب كل تلك الجهود والتكاليف سواء للنجاح في الثانوية العامة بأعلى الدرجات أو دخول ذلك القياس والاستعداد له حتى تأتينا الجامعات بعد ذلك وهي غير مقتنعة وتقرر سنة تحضيرية لتطوير قدراتهم؟ أليس هذا هدرا اقتصاديا سواء من جانب المجتمع (في التعليم العام واختبارات القياس) أو في الجامعة (التي تتجاهل كل هذا وتذهب لإعداد سنة تحضيرية)؟ أليس في هذا هدر اقتصادي كبير للوقت والجهد؟ هل هناك دراسات علمية موثقة وعلى أكثر من فترة زمنية وأكثر من مجتمع أثبتت أن الطلاب الذين حققوا درجات معينة في اختبارات القياس ومتطلبات القبول وتم تحضيرهم في سنة إضافية كان أداؤهم في الجامعة أفضل من الذين تم قبولهم ولم يتم تحضيرهم؟ إذا لم يكن لدينا هذا فهل نحن نخضع هذا الجيل والجامعات كلها لهذه التجربة القاسية جدا بلا سند علمي أو مصداقية منطقية؟ أليست تجربة بهذا الحجم هدرا اقتصاديا فادحا؟ بل إنني أرى الجامعات قد تجاوزت التجربة تماما فذهبت إلى بناء العمادات والمقار الضخمة جدا (كأنها جامعات منفصلة) والتعاقد مع أساتذة لتلك التحضيرية فقط, وهذا كله ــ في نظري ــ مخاطرة كبيرة بثروات الأمة في لعل وعسى.
لقد كنت - حتى اليوم - أنتظر نتائج تجربة اختبارات مركز القياس وهل هناك تحسن في مخرجات التعليم العالي بعد تطبيقها؟ وهل هناك علاقة بين نتائج الطلاب حسب اختبارات مركز القياس ونجاحهم في الجامعة؟ حتى الآن لم أطلع على كم كاف من هذه الدراسات, ولا أعتقد أن تجربة القياس بحداثتها قادرة على تقديم دليل لذلك، ومع هذا تتعدى الجامعات تلك القضية (الأزمة) وكأنها مسلمة حتى إن لكل الجامعات حرية مطلقة في تقرير درجة القياس المقبولة لديها, بل كل قسم يقرر ما يشاء (هكذا بلا دراسة أو أساس علمي سوى وجهات نظر حتى دون استشارة مركز القياس نفسه) ثم لم تكتفِ الجامعات (العلمية!) بهذه القرارات غير المدروسة ''علميا'' حتى تقرر أن تضيف سنة تحضيرية (أيضا بلا سند علمي). هكذا تنحر العلمية والبحث العلمي والمنطق التجريبي في محرابها وبأيدي رهبانها, فالجامعات التي من المفترض أنها تتحرك وفقا لأسس علمية صرفة نجدها تنفق المليارات على مجرد ''وجهات نظر''. سيقولون إن السنة التحضيرية معمول بها ونجحت في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن .. قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؟ إن القول بنجاح جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في السنة التحضيرية يعني أن باقي الجامعات فشلت من دونها, ومرة أخرى أقول هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. برهان علمي موثق وليس مجرد انطباعات وآراء وتجارب شخصية، برهان من واقع الحياة العملية للخريجين, مع استبعاد الشركات التي تعمل في مجال البترول والصناعات البترولية التي أنشئت الجامعة من أجل دعمها ولا تغطي تخصصاتها باقي الجامعات.
حتى لو قبلنا ــ جدلا ــ أن التحضيرية ضرورة ومنافعها كبيرة، فإن ذلك ــ من ناحية أخرى ــ يعني أن هناك هدرا كبيرا في التعليم العام وأن 12 سنة أمضاها الطالب في التعليم العام ليس لها داع أبدا، ولو أننا ركزنا في التعلم العام على القراءة والكتابة وتدريب الطالب على مهارات التعلم والتفكير والحصول على المعلومات واتخاذ القرار وبعض المبادئ (بسيطة) في الرياضيات والمنطق والإنجليزي واختصرنا سنوات التعليم العام إلى ''تسع سنوات مثلا''؛ لحققنا وفرا تعليما واقتصاديا كبيرا وثم نترك للجامعات في سنتها التحضيرية إعداد الطالب علميا حسبما تراه مناسبا لها ولتخصصه. السنة التحضيرية تعني هدرا اقتصاديا بلا شك سواء فيها (إذا قبلنا بدور التعليم العام كما هو الآن وكفاءة اختبارات القياس) أو هدرا في التعليم العام (إذا قبلنا بجدوى السنة التحضيرية)، ولا بد من حل ــ إما هذه وإما ذاك. لكن بقاء الحال كما هو عليه فإن المتضرر هو العلم أولا والطالب ثانيا والمجتمع واقتصاده ثالثا.
التعليم اليوم يتجه إلى التركيز على التفكير والاستقلال والتعليم الذاتي, ولذلك تقلصت سنوات الدراسة حتى أصبحت الماجستير في كثير من الدول سنة واحدة فقط والبكالوريوس ثلاث سنوات وأصبحنا نلتقي بمن حصل على الدكتوراه وهو في سن الـ 25 أو حتى أقل، بينما نحن نسير عكس العالم ونذهب نحو دعم طريقة التلقين ''بإعادة تلقين ما تم تلقينه'' وكأن 12 سنة لم تكفنا فزدناها سنة حتى أصبحت البكالوريوس ست سنوات بدلا من خمس, فيا لهذا التطور! لم أسمع بهذه السنة التحضيرية في الجامعات العالمية (حسب علمي)، هناك فقط فصل ''صيفي'' يسمى Pre-Sessional Course, وهو مخصص في العادة للطلاب الأجانب لتعريفهم بالجامعة وتطوير مهاراتهم فيما يتعلق باللغة الإنجليزية, وهو اختياري وليس إجباريا.
الجامعة ليست مدرسة تعليم عام وإلا لقلنا بتمديد التعليم العام حتى يغطي التخصصات المطلوبة في المجتمع. لو أن الطالب الذي يدخل الجامعة يحمل كل المهارات المطلوبة لما بقيت للجامعة حاجة من باب أولى. فمن الطبيعي إذا أن يأتي الطالب من التعليم العام ولديه ضعف في مهارات الاتصال وإعداد التقارير وإعداد الدراسات والبحث والتقديم, وهنا تأتي الجامعة لمده بكل المهارات التي تتطلبها مهنته. ما لا تريد أن تعترف به الجامعات والأساتذة الجامعيون أن التعليم الجامعي يرتكز (بالدرجة الأولى) على أساتذة متخصصين وبأعلى درجات التخصص, بل فلاسفة حقيقيين وخبراء بمعنى الكلمة. الجامعة تقوم على أستاذ جامعي أولا ثم ثانيا ثم ثالثا. الجامعات والأساتذة الجامعيون لا يقوم على أكتاف الطلاب ومهاراتهم، بل العكس هو الصحيح، فالطلاب - بل حتى الجامعات - هم الذين يقومون على أكتاف الأساتذة الجامعيين المرموقين. لم يعرف العالم جامعات مثل هارفارد وكامبردج من خلال طلابها بل من خلال عباقرتها. الأساتذة في الجامعات (عرفا) هم من يمنح الدرجات العلمية في شتى التخصصات ويقدم التصريح للمتخرج ليعمل في هذه المهنة أولا. فإن دخل المهنة من لا يستحقها علما أو أخلاقا فإن أول من خان المجتمع هم أساتذته الجامعيون فهو على أكتافهم وفي أعناقهم.
لو أن المبالغ التي دفعتها الجامعات في السنة تحضيرية والمليارات في المباني والعمادات والمقار والشركات، لو أن هذه الثروة ذهبت لاستقطاب أفضل العلماء المتخصصين! لكن كل ما أستطيع قوله الآن هو: أوقفوا هذا الهدر واستثمروا أوقات الطلاب اليوم للمستقبل، فخروج الطالب من الجامعة وهو في الـ 24 من عمره يعدّ هدرا كبيرا له وللأمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي