كيف يمكن تطوير آلية إجازة المنتجات والخدمات المالية الإسلامية؟
قطاع المالية الإسلامية نشأ وتطور خلال فترة قصيرة لا تتجاوز خمسة عقود، فمنذ تجربة الدكتور أحمد النجار في مصر والمصرفية الإسلامية, كما هو الحال اليوم, تتطور وتتوسع بشكل متسارع. والمالية الإسلامية عندما نشأت كان الهم الأول لها إيجاد نموذج مصرفي عملي متوافق مع الشريعة بديلا للنموذج التقليدي القائم على الفائدة, التي يرى السواد الأعظم من العلماء أنها شكل من أشكال الربا المحرم.
والحقيقة أن مسألة الفائدة ليست السبب الوحيد للخلاف بين النموذج التقليدي والنموذج المتوافق مع الشريعة، حيث إن هناك ضوابط للمعاملات المالية في الإسلام لا تلتزم بها المؤسسات المالية التقليدية، وبناء عليه كانت هناك فعلا حاجة إلى وجود إشراف شرعي من قبل متخصصين في الشريعة الإسلامية, إضافة إلى المجالات المالية والمحاسبية، وبناء عليه كان من المهم أن تكون لدى المؤسسات المالية الإسلامية هيئة شرعية مكونة من مجموعة من الخبراء للاطلاع على أنشطة البنوك أو المؤسسات المالية الإسلامية للتأكد من عدم وجود ما يخالف الشريعة في أنشطتها. وبلا شك فإن الهيئات الشرعية خلال الفترة الماضية كانت لها جهود كبيرة في هذا المجال أسهمت في نجاح كثير من المؤسسات المالية الإسلامية، حتى أصبحت هذه المؤسسات محل ثقة كثير من الأفراد في المجتمعات المسلمة.
ومع التطور الكبير الذي تشهده المالية الإسلامية, خصوصا بعد أن أصبحت محط أنظار العالم بعد الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي, الذي يبحث من خلال النماذج المالية الأخرى عن حلول ومخرج للأزمة، لكن ما إن ارتفعت أصوات بعض المطالبات على المستوى السياسي والبنك الدولي، بل حتى على مستوى المؤسسات الدينية غير الإسلامية مثل الفاتيكان, للاستفادة من النظام الإسلامي حتى وجدناها تهدأ كثيرا خلال الفترة الماضية، وليس السر بالطبع أن الأزمة انتهت وتم القضاء على آثارها، لكن الذي يظهر أنه عند المطالبات كان الظاهر للمراقب هو حجم النمو الذي تتمتع به المالية الإسلامية, إذ إن أصولها نمت بشكل كبير في الفترة التي كانت تعاني فيها المؤسسات التقليدية شحا في السيولة وانخفاضا في أحجامها. لكن بالنظر في آليات عمل المؤسسات المالية الإسلامية، نجد أنها فعلا ليس لديها نظام ومعايير واضحة تضبط عملياتها، فالاتجاه العام هو أنها تعتمد على هيئاتها الشرعية التي تصدر لها قرارات تجيز لها مجموعة من التعاملات بناء على ما تقدمه لها تلك المؤسسة من منتجات، والحقيقة أنه مع انتشار المؤسسات المالية الإسلامية حول العالم، أصبح هناك طلب كبير على أعضاء الهيئات الشرعية, خصوصا المعروفين منهم، الذي أدى بدوره إلى أن يكون هؤلاء الخبراء أعضاء في مؤسسات متعددة في مختلف دول العالم حتى أصبح بعضهم ــ كما جاء في دراسة قام بها بعض الخبراء في شركة Fund @ work الاستشارية - يشغل ما يزيد على 70 منصبا كعضو في مؤسسات تقدم منتجات وخدمات متوافقة مع الشريعة، وهذا يطرح تساؤلا عن مدى قدرة الأعضاء على دراسة ما يعرض عليهم من تلك المؤسسات دراسة مستوفية.
والحقيقة أن هذه الآلية, وإن كانت مقبولة لدى الأفراد وبعض المؤسسات, إلا أنه بالتأكيد ليست الآلية التي تتناسب وتتواءم مع النظام المالي العالمي، إذ إن الآلية السائدة لا تجعل هناك ضوابط لعمل هذه المؤسسات يقيّم من خلالها مدى انضباطها بأحكام الشريعة إلا من خلال فقط وجود هيئة شرعية آخر عهد المؤسسة المالية بها هو استصدار القرارات في اجتماعات محدودة في بعض المؤسسات من جهة الوقت والعدد، والتي لا يكون أعضاء الهيئات الشرعية على اطلاع إلا على المُخرج النهائي للمنتج, الذي لا يشاركون فعليا في صياغته. كما أن الفترة الماضية من عمل الهيئات الشرعية داخل المؤسسات المالية الإسلامية لم تشهد فعليا تدوينا لضوابط ومعايير تلتزم بها تلك المؤسسات، فأقصى ما يمكن أن يتحصل عليه من تلك المؤسسات هو القرارات، دون أن تأخذ هذه القرارات صفة الاستمرارية إلى فترة ولو قصيرة, إذ إن مسألة تغيير الرأي واردة في أي لحظة.
والحقيقة أنه من الضروري أن تكون هناك منهجية أخرى لتطوير آلية إجازة المنتجات المتوافقة مع الشريعة، وأن تكون هناك آلية لمتابعة تطبيقها من قبل البنوك المركزية، حيث إنه من المفترض أن تكون هناك معايير تضبط عمل المؤسسات المالية الإسلامية من خلال جمع الدراسات في هذا المجال, إضافة إلى ما هو مدون من قرارات الهيئات الشرعية والمجامع الفقهية، وتعيين مجموعة من الباحثين والمتخصصين والعلماء الشرعيين لاستخلاص معايير لعمل المؤسسات المالية الإسلامية وآلية لمراقبة أعمالها، وتضمين عملية استصدار والرقابة على المنتجات المتوافقة مع الشريعة ضمن هيكل المؤسسة الإداري، ليكون طلب إجازة أي منتج متضمنا الدراسات اللازمة, خصوصا الشرعية، مع إبراز جانب موافقتها المعايير الشرعية المعتمدة في البنك المركزي.
وفي هذه الحالة تبقى الهيئة الشرعية خيارا للمؤسسات المالية التي تقدم المنتجات المتوافقة مع الشريعة وليست إلزاما لإجازة منتجاتها، إذ إن الأهم فعلا مطابقة أعمال المؤسسات المالية الإسلامية للشريعة، وأن تكون هذه المؤسسات تعمل تحت مظلة معايير واضحة، دون أن تخضع لآراء فردية لمجموعة محدودة من العلماء، قد تتغير آراؤهم ووجهات نظرهم، خصوصا عندما نعلم أن وجود الهيئة الشرعية لا يضمن فعليا التطبيق بالشكل التي يتصوره أعضاء الهيئة الشرعية، إذ إن عدم استيعاب الإدارات التنفيذية بعض التفاصيل وعدم إشراف الهيئة الشرعية على التطبيق قد يؤديان في كثير من الحالات إلى حصول بعض الأخطاء نتيجة لهذه الفجوة.