التأمين الصحي ينبغي أن يشمل الجميع
أصدر مجلس الضمان الصحي التعاوني قراراً بإلزام الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص توفير التأمين الصحي التعاوني للعاملين في الشركات والقطاع الخاص وأفراد أسرهم. وتؤكد الإعلانات المنشورة في الصحف المحلية من قبل مجلس الضمان الصحي التعاوني على ضرورة الالتزام بتغطية الأفراد السعوديين العاملين في القطاع الخاص وأفراد أسرهم بالتأمين الصحي. ومع أنه لا تتوافر تفاصيل محددة بشأن نوع التأمين المطلوب توفيره، إلا أن المطالبة بضرورة توفيره للعاملين في القطاع الخالص أمر جيد ومطلوب منذ فترة من الزمن. والسؤال الذي يتبادر للأذهان هو: ما هو مصير باقي سكان المملكة الذين لا يتمتعون بتغطية أي نوع من أنواع التأمين الصحي؟ وهل ستلزم الإدارات والمؤسسات الحكومية التي لا توفر خدمات صحية لمنسوبيها بضرورة توفير تأمين صحي لموظفيها؟ أم أن عليهم الاعتماد على الخدمات الصحية التي توفرها وزارة الصحة؟
وتعاني المرافق الصحية التابعة لوزارة الصحة عجزا كبيرا في تلبية الطلب المتزايد على الخدمات الصحية. وتزخر قصص معاناة المرضى مع الخدمات الصحية العامة بعدد وافر وبعضها محزن من القصص التي تؤكد تردي نوعية جزء كبير من هذه الخدمات والتأخر في توفيرها لمن هم في أمس الحاجة إليها. فالبعض يعاني حالات حرجة ولكن لا يتمكنون من الحصول على خدمات صحية مناسبة بسبب الضغط الكبير على الموارد الصحية لوزارة الصحة والإدارات الحكومية الأخرى التي توفر خدمات صحية لمنسوبيها. إن الكل يعلم بمستوى الخدمات الصحية التي توفرها وزارة الصحة والتي تحتاج إلى كثير من التوسع ورفع الجودة لتوفر خدمات صحية مقبولة. ومن أبرز المعضلات التي تواجه المراجعين للمرافق الصحية التابعة للجهات الحكومية الازدحام، وسوء العناية، وكثرة الأخطاء الطبية وذلك بسبب النقص الكبير في كمية ونوعية الموارد الصحية التي توفرها هذه الجهات. ففي مدينة مثل مدينة الرياض التي يصل عدد سكانها أو يتجاوز خمسة ملايين فرد يحظى أغلبية السكان بتغطية محدودة من الخدمات الصحية العامة. أما تجربة المراكز الصحية والتي يتم إطراؤها بشكل كبير من قبل البعض، فأعتقد أنها ليست ناجحة وتحتاج هذه التجربة إلى كثير من المراجعة. وتقدم المراكز الصحية خدمات صحية متدنية وتغطية جزئية ومحدودة. ويقوم القطاع الخاص بتوفير خدمات صحية يتصف الكثير منها بانخفاض النوعية، ولكن يوفر جزء من القطاع الخاص بعض الخدمات الصحية الجيدة التي يسعى كثير من السكان للحصول عليها. وتحول التكاليف بين معظم سكان المملكة والحصول على خدمات صحية جيدة.
ومن المستغرب أن يفرض على القطاع الخاص توفير تأمين صحي لمنسوبيه ولا تلزم الجهات والمؤسسات الحكومية الأكثر تمويلاً والأغنى من القطاع الخاص (وخصوصاً التي لا توفر خدمات صحية) بتوفير تأمين صحي لمنسوبيها. وتهدر العديد من الجهات الحكومية جزءا من مواردها على نفقات غير ضرورية مثل الكثير من مخصصات السفر لبعض منسوبيها أو التدريب الترفيهي أو المبالغة في تأثيث مكاتب المديرين. وكان من الممكن استخدام هذه المخصصات لتوفير تأمين صحي لمنسوبيها بدلاً من إهدارها على منافع بعض موظفيها. ولا يمكن بأي حال من الأحوال نسيان باقي المواطنين والذين لا تتوافر لعدد كبير منهم الموارد المالية لشراء تغطية صحية. وأعتقد جازماً أن من حق باقي المواطنين الذين لا يعملون في الدولة وخصوصاً الفئات السكانية متدنية الدخل التمتع بحد أدنى من الضمان الصحي ولو على الأقل في الحالات الطارئة.
إن توفير نظام وطني للتأمين الصحي يشمل حتى المقيمين بصورة نظامية أجدى من تطبيقه بأشكال جزئية على القطاع الخاص أو على بعض الإدارات والمؤسسات العامة، حيث سيتمتع كافة المواطنين والمقيمين بحد أدنى من التغطية الصحية التي تمكنهم من توفير خدمات صحية مقبولة لأنفسهم وذويهم بدلاً من تحمل تكاليف مالية باهظة في الحالات الطارئة أو في الأماكن التي لا تتوافر فيها خدمات صحية حكومية مقبولة. إن إيجاد منظومة وطنية شاملة للتأمين الصحي سيلزم الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة بدفع اشتراكات لتوفير تأمين صحي للمقيمين والمواطنين العاملين في هذه المؤسسات، كما أنه سيساعد على تنشيط مساهمة القطاع الخاص في توفير خدمات صحية جيدة. وسيمكن وجود منظومة وطنية للتأمين الصحي من التعامل بشكل أفضل مع الجهات الموفرة للرعاية الطبية وخفض التكاليف لأدنى مستوى ممكن على أن لا تكون على حساب النوعية. ويعتبر توفير مظلة تأمين صحي لجميع السكان من أنجع الوسائل في توزيع الدخل ورفع كفاءة الشرائح السكانية منخفضة الدخل، كما أنه سيمكن من البدء في تخصيص الخدمات الصحية الحكومية.